الصحوة الإسلامية

مقال العلامة السيد سامي البدري الذي تم نشره في جريدة كيهان العربي بتاريخ 18/محرم الحرام/1416 ـ 1995
الصحوة الاسلامية
نحن على ثقة بان الصحوة الإسلامية في مرحلتها الراهنة تقف على أرضية صلبه وان غدا مشرقا ينتظره العالم منها

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
1. الصحوة الإسلامية مصطلح أريد به /كما أفهم/ التعبير عن حركة الانبعاث الإسلامي من مختلف المذاهب الإسلامية بهدف إصلاح جوانب الفساد والانحراف التي برزت معالمها المتميزة في الساحة الفكرية والاجتماعية والسياسية للمسلمين منذ الغزو العسكري السافر لبلادهم من قبل الحكومات الصليبية بعد أن مهدت لذلك بغزو فكري وحضاري قامت على أساسها أحزاب وجمعيات ساعدت على تكريس نتائج الغزو العسكري وبخاصة حين تحرك قسم من أبناء الأمة فيما بعد لمقاومة الاستكبار على أساس الفكر الغربي نفسه.
2. أبرز معالم الصحوة الإسلامية أمران:
الأول: ظهور علماء ومفكرين إسلاميين وقفوا أنفسهم على تنبيه الأمة على جوانب الخلل في الحضارة الغربية ومواضع افتراقها عن الإسلام، وأيضا على تثقيف الأمة بالفكر الإسلامي وتعريفها بحلوله لمختلف المشكلات التي تعاني منها البشرية في جوانبها الاجتماعية والسياسية.
الثاني: ظهور حركات وجمعيات إسلامية في الساحة السنية والشيعية تعمل بجد لتحريك أبناء الأمة وتحشيد قواها للإطاحة بالأنظمة المفروضة عليها ومن ثم لكي تمارس حياتها السياسية على أساس كتاب الله وسنة نبيه.
3. قدر الله تعالى لحركة الصحوة الإسلامية من خلال أحد أبرز روادها وشهودها الإمام الخميني قدس سره أن تدشن تجربة النصر وذلك حين أطاحت الأمة في إيران بقيادته بنظام الشاه المفروض عليها من قبل، وحين أعلنت عن قيام نظام سياسي إسلامي هو الجمهورية الإسلامية مارست من خلاله إرادتها في تكوين مؤسسات الحكم.
4. استقطبت التجربة الفتية أنظار ومشاعر جماهير الأمة الإسلامية في العالم على اختلاف مذاهبها وصارت العامل الأساس في تصعيد حركة الوعي الإسلامي وتنشيط حركة الجهاد الداخلي للإطاحة بالأنظمة المفروضة على إرادة الأمة واختيارها.
5. استشاط الاستكبار العالمي غضبا حين اكتشف نفسه انه على أعتاب مرحلة جديدة تنبئ بزوال سلطانه الفكري والسياسي الذي كرسه بعد الغزو العسكري ومن هنا وضع كل قدراته وخبراته لتطويق التجربة الفتية والقضاء عليها بكل وسيلة ممكنة ولم تكن حرب الخليج الأولى في شكلها وهدفها ولا حرب الخليج الثانية في مغزاها ونتائجها إلا ظواهر تعبير أساسية عن هذا الغضب والقلق.

إن أبرز وأخطر مشكلتين تواجههما حركة الصحوة الاسلامية العالمية اليوم من الداخل هما مشكلة المذهبية ومشكلة القومية والاقليمية.
6. وليس من شك أن حالة القلق هذه قد ازدادت حين سقطت الشيوعية وأخذت الشعوب الإسلامية التي كانت ترزح تحت سيطرتها وكبتها تتحرك باتجاه ممارستها أرادتها الإسلامية في حياتها السياسية، وتزداد حالة القلق هذه كلما تذكرت قوى الاستكبار أن حضارتها تعيش حالة الاحتضار منذ أمد ليس بالقليل.
7. وفي هذا الجو العالمي تجيء الصحوة الإسلامية ليست فقط حركة باتجاه أبناء المسلمين، بل هي حركة أيضا باتجاه الإنسان الحائر الخائر في الغرب نفسه والشعوب المضطهدة من غير المسلمين في العالم وذلك لان حركة الإسلام التي انطلق بها خاتم الأنبياء استهدفت منذ البدء العالم كله وليس إنسان الجزيرة العربية حسب.
إن خطورة الإسلام على قوى الاستكبار تكمن في هذه الدائرة الواسعة من امتداده وتأثيره، انهم يرون في الإسلام عملاقا كان في سبات أو ميتاً تمزقت أوصاله وإذا به يستيقظ ويحيا من جديد وإذا بأوصاله توشك أن يلتحم بعضها بالبعض الآخر.
8. إن أبرز وأخطر مشكلتين تواجههما حركة الصحوة الاسلامية العالمية اليوم من الداخل هما مشكلة المذهبية ومشكلة القومية والاقليمية. وهما مشكلتان واقعيتان عانت منها الأمة المسلمة تاريخيا وحاليا ودفعت الضريبة غالية بسبب ذلك، ولا بد أن يتخذ مفكرو الأمة وروادها ومثقفوها وأبناؤها المخلصون كل الوسائل الصالحة في معالجتها.
وأحاول في هذه الفرصة من الحديث أن أسلط بعض الضوء على المشكلة المذهبية تاركا الحديث عن المشكلة القومية إلى فرصة أخرى.
9. مما لا شك فيه أن الإسلام الذي جاء به النبي الاكرم (ص) انتشر في زمانه لم يكن غير كتاب الله وسنة نبيه ولم يكن سوى منظومة واحدة من الأفكار والتصورات والحلول والأحكام ومما لا شك فيه أيضا أن المذهبية حالة طارئة عليه.
ومن هنا وجب على المسلمين في كل وقت أن يبحثوا عن مناشئها التاريخية ليكونوا على بيّنه منها.
ولست هنا أريد أن أؤرخ للمذاهب الإسلامية، لكني أريد أن أثير حقيقة تاريخية يستطيع كل باحث بل كل مثقف أن يدرك آثارها إذا التفت إليها، وهي أن المذاهب الإسلامية المعروفة اليوم كالمذهب الحنبلي أو الحنفي أو الشافعي أو المالكي لم تكن معروفة في العهد الأموي بل هي ظاهرة عباسية نشأت أول ما نشأت على يد الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور ومن جاء بعده.
ولو راجعنا كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة (تـ 276هـ) نقرأ ما دار بين أبي جعفر المنصور ومالك بن انس لاستطعنا أن نمسك بالسر وراء نشأة المذاهب في العهد العباسي.
قال خالد بن نزار الايلي بعث المنصور إلى مالك حين قدم المدينة (سنة 148) فقال له ضع هذا العلم ودوِّنه لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك ونبثها في الأمصار ونعهد إليهم أن لا يخالفوها ولا يقضوا بسواها فقلت أصلح الله الأمير أن أهل العراق لا يرضون علمنا ولا يرون في عملهم رأينا فقال أبوجعفر يحملون عليه ونضرب هاماتهم بالسيف ونقطع طي ظهورهم بالسياط… (الإمامة والسياسة ج2/142،149-150).
وقال ابن وهب : حججت سنة ثماني وأربعين ومائة وصائح يصيح لا يفتي الناس إلا مالك بن انس (تـ179) وابن الماجشون (تـ 184).
قال الذهبي (وقَصَده (أي مالك) طلبة العلم من الافاق في آخر دولة المنصور وما بعدها وازدحموا عليه في خلافة الرشيد والى أن مات).
أقول وهكذا فرضت مرجعية مالك في الفتيا منذ عصر المنصور ثم واصل أبناء المنصور المهدي والهادي والرشيد ذلك ومن ثم انتشرت كتب مالك في البلاد الإسلامية التابعة للعباسيين.
ويمكننا أن نتعرف على السبب الذي دعا أبا جعفر المنصور أن يقدم على تبني مالك وقد عرف بميوله الأموية (انظر كتاب مالك بن انس للبهي الخولي) ويترك جعفر بن محمد الصادق ع /عالم الامة وهاديها بأذن الله ولم يخف ذلك على المنصور/ من الرواية التي يذكرها ابن المزي في كتابة تهذيب الكمال في ترجمة جعفر الصادق ع، حيث طلب المنصور من أبى حنيفة أن يهيئ مسائل يسأل بها الصادق ع أمام الناس من اجل كسره عندهم وذلك لان الناس قد فتنوا به (حسب تعبيره) ولم يفلح المنصور ولا أبو حنيفة في ذلك ، بل خرج أبو حنيفة وهو يقول أن الصادق اعلم الناس ، وانه من سلالة النبيين.
إن عبارة المنصور (أن الناس فتنوا بجعفر) كانت تشير إلى حقيقة فرضت نفسها آنذاك ، ثم خطط المنصور ليقف بوجهها ويحد من انتشارها وهي أن الصادق (ع) برز في أجواء ما نعبر عنه اليوم بالصحوة الإسلامية التي شقت طريقتها بعد ثورة الحسين (ع) وشهادته بمنهج جديد يختلف عن منهج الخوارج في الثورة وعبد الله بن الزبير في التوجه الفكري والسياسي الذي تحرك فيه وكان هذا المنهج هو منهج الحسين ع في الثورة وأطروحة علي (ع) في الحكم وروايته للسنة وتطبيقاته المعصومة لها المدونة بخطه وخط الحسن (ع) ثم صارت إرثا خاص للحسين (ع) ثم لعلي بن الحسين (ع) ثم للباقر (ع) ثم استقرت عند الصادق (ع) حيث تحرك بها عندما انفرجت الأجواء بنجاح العباسيين في إسقاط حكم الأمويين وفرض أنفسهم على الناس بدلا من أن يبايعوا من عينه الله ورسوله وليا للأمر ، وقد برز الإمام الصادق (ع) علما هاديا للناس بشكل خاص في السنوات الأولى من حكمهم وهي سنوات حكم أبي العباس السفاح (132-136هـ) حيث انشغل العباسيون بتركيز مواضع حكمهم وتركوا الناس في حلقات درسهم يحضرون لمن شاءوا، وكانوا قلقين جدا من نشاط الإمام الصادق (ع) وتحلق الناس حوله في اعظم حلقة درس آنذاك إذ بلغ عدد طلاب درسه قريبا من أربعة آلاف إنسان اغلبهم من أهل العراق الذين وجدوا في الإمام الصادق (ع) وارث علي (ع) في عبادته وزهده وعلمه ، يحيي سنة رسول الله (ص) وسيرته كما أحياها علي (ع) في زمانه في منطقتهم من خلال نشر أحاديث كتابه الذي جمع فيه كل سنة النبي (ص) بإملاء النبي (ص) وخط علي (ع) بيده.
كان المنصور وهو داهية بني العباس يرصد ذلك عن قرب أيام حكم أخيه أبى العباس فوضع خطته الجهنمية لإيقاف حركة الإمام الصادق (ع) بل تطويقها وذلك من خلال أساسين:
الأول: تبني وجوه علمية أخرى وفرض فتاواها وروايتها وتجاوب معه مالك بن انس فتبناه على امويته الظاهرة.
الثاني: تتبع شيعة الصادق (ع) والرواة عنه واضطهادهم وإسقاط اعتبارهم العلمي والاجتماعي من خلال التهم والأكاذيب، وقد نالت محاولة إسقاط الاعتبار العلمي الإمام الصادق ع أيضا حين نجد يحيى بن سعيد القطان لا يحتج برواية الصادق ع ويقول لما سئل عنه قال (في نفسي شئ منه) وبين أيدينا البخاري لم يرو رواية واحدة عن الصادق(ع) لأنه لا يحتج بروايته وقد احتج برواية عمران بن حطان الخارجي الشاعر المعروف الذي مدح ابن ملجم على ضربته لعلي ع.
وكذلك نالت محاولة إسقاط الاعتبار العلمي الإمام الكاظم ع وارث أبيه الصادق ع بأمر النبي ص حيث نقرأ في كتاب الثقاة لابن حبان في ترجمة جعفر الصادق ع يقول: (يحتج بروايته من غير رواية أولاده عنه).
واستمر مخطط المنصور هذا لأكثر من مئاة سنة بعده،
ونجحت السلطة العباسية وأجهزتها الإعلامية في تطويق حركة الصادق ع وحرمت اغلب قطاعات الأمة منذ ذلك الوقت والى اليوم من التراث النبوي الصافي الذي أظهره الإمام الصادق ع.
واليوم يعيد التاريخ نفسه ويثار أمام التجربة الإسلامية الفتية التي أعلنت عن تبنيها السير في ضوء كتاب الله وسنة نبيه (ص) برواية أهل بيته (ع) في عالم الصحوة الإسلامية وانهيار الشيوعية واحتضار الرأسمالية يثار أمامها ما أثاره الأمويون والعباسيون وأجهزتهم الإعلامية أمام حركة أهل البيت (ع) وشيعتهم من قبل.
ونحن حين نثير هذه المسألة أمام رواد الصحوة الإسلامية إنما نبتغي التنبيه على أن المذهبية التي تثار اليوم كحجاب يفصل المسلمين السنة عن المسلمين الشيعة أمر طارئ على المسلمين خطط له الحكام العباسيون لفصل الأمة أيام صحوتها عن أهل البيت ع ثم استمر هذا الحجاب يتوارثه الناس جيلا بعد جيل ، حاله كحال القومية والإقليمية والحدود بين أجزاء العالم الإسلامي التي عرضت على بلاد المسلمين مؤخراً نتيجة لتأثر المسلمين بالفكر الغربي واقتسام النفوذ بين قوى الاستكبار التي احتلت أراضيهم ثم قبل الناس بالأمر الواقع ونشأوا عليه وتوارثوه جيلا بعد جيل.
إن رواد الصحوة الإسلامية سنة وشيعة مدعوون لدراسة هاتين العقبتين على أصعدة مختلفة وبأشكال متنوعة من أجل إفشال مخطط قوى الاستكبار للقضاء على منابع القوة في حركة الصحوة.
[نحن على ثقة بان الصحوة الاسلامية في مرحلتها الراهنة تقف على أرضية صلبه وان غدا مشرقا ينتظر العالم وراءها وان غدا لناظره لقريب ، والحمد لله رب العالمين.

**نهاية المقال**

الزيارات : 233

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*

8 + 10 =