الامام الحسين (ع)  في سورة الأحقاف

الطبعة الثانية منقحة 1433هـ ـ 2011م

الطبعة الثانية منقحة 1433هـ ـ 2011م

 

 

تحميل بهيئة بي دي اف تحميل بهيئة PDF

 

 

﴿وَوَصَّينا الأِنسانَ بِوالِدَيهِ إِحساناً حَمَلَتهُ أُمُّهُ كُرهاً وَوَضَعَتهُ كُرهاً وَحَملُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثونَ شَهراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَربَعينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوزِعني أَن أَشكُرَ نِعمَتَكَ الَّتي أَنعَمتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ واَن أَعمَلَ صالِحاً تَرضاهُ واَصلِح لي في ذُرّيَّتي إِنّي تُبتُ إِلَيكَ واِنّي مِنَ المُسلِمينَ (15) أولئِكَ الَّذينَ نَتَقَبَّلُ عَنهُم أَحسَنَ ما عَمِلوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئاتِهِم في أَصحابِ الجَنَّةِ وَعدَ الصِّدقِ الَّذي كانوا يوعَدونَ (16)﴾ الأحقاف/15ـ16

روى الكليني بسنده عن ابي خديجة عن ابي عبد الله(ع) قال لما حملت فاطمة(ع) بالحسين جاء جبرئيل الى رسول الله(ص) فقال ان فاطمة ستلد غلاماً تقتله امتك من بعدك فلما حملت بالحسين(ع) كرهت حمله . وحين وضعته كرهت وضعه . ثم قال ابو عبد الله(ع) تكرهه لما علمت انه سيقتل . قال وفيه نزلت هذه الآية ﴿ وَوَصَّينا الإِنسانَ بِوالِدَيهِ إِحسانًا حَمَلَتهُ أُمُّهُ كُرهًا ووَضَعَتهُ كُرهًا وحَملُهُ وفِصالُهُ ثَلاثونَ شَهرًا﴾ . [1]

 

تمهيد

اخبر القرآن الكريم بطريقته الخاصة عن قصة الحسين(ع) .

واشار الائمة(ع) الى تلك الآيات من خلال الميراث العلمي الذي ورثوه عن جدهم النبي(ص) .

من قبيل ما رواه ابن شهر آشوب في كتاب (المناقب) عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(ع) في قوله تعالى :

﴿الَّذينَ أُخرِجوا مِن ديارِهِم بِغَيرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقولوا رَبُّنا اللهُ وَلَو لا دَفعُ اللهِ النّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَهُدِّمَت صَوامِعُ وَبيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذكَرُ فيها اسمُ اللهِ كَثيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَويٌّ عَزيزٌ﴾ الحج/40 .

قال : نحن ، نزلت فينا .

وفي تفسير على بن ابراهيم وقوله عزوجل : ﴿الَّذينَ أُخرِجوا مِن ديارِهِم بِغَيرِ حَقٍّ﴾ قال : الحسين صلوات الله عليه وعلى جده وأبيه وامه واخيه وذريته وبنيه ، حين طلبه يزيد ليحمله الى الشام فهرب الى الكوفة وقتل بالطف .

وفي روضة الكافي عن ابن محبوب عن أبى جعفر الاحول عن سلام بن المستنير عن أبى جعفر عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى : ﴿الَّذينَ أُخرِجوا مِن ديارِهِم بِغَيرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقولوا رَبُّنا اللهُ﴾ قال نزلت في رسول الله(ص) وعلى وحمزة وجعفر ، وجرت في الحسين عليهم السلام أجمعين .

وفي مجمع البيان قال أبو جعفر عليه السلام نزلت في المهاجرين وجرت في آل محمد : الذين اخرجوا من ديارهم واخيفوا[2] .

ونموذج ذلك كثير ومن ذلك سورة الاحقاف ، وسورة الفجر ، وغيرها .

الحسين(ع) في سورة الأحقاف

﴿وَوَصَّينا الأِنسانَ بِوالِدَيهِ إِحساناً

حَمَلَتهُ أُمُّهُ كُرهاً وَوَضَعَتهُ كُرهاً

وَحَملُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثونَ شَهراً

حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ

وَبَلَغَ أَربَعينَ سَنَةً

قالَ رَبِّ أَوزِعني أَن أَشكُرَ نِعمَتَكَ الَّتي أَنعَمتَ عَلَيَّ

وَعَلى والِدَيَّ

واَن أَعمَلَ صالِحاً

تَرضاهُ

واَصلِح لي في ذُرّيَّتي

إِنّي تُبتُ إِلَيكَ واِنّي مِنَ المُسلِمينَ (15)

أولئِكَ الَّذينَ نَتَقَبَّلُ عَنهُم أَحسَنَ ما عَمِلوا

وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئاتِهِم

في أَصحابِ الجَنَّةِ

وَعدَ الصِّدقِ الَّذي كانوا يوعَدونَ (16)﴾

 

الآيات تتحدث عن انسان خاص

تتحدث هذه الآيات عن انسان معين ، وليس عن كل انسان ، لقوله تعالى : (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) اذ المعروف ان الرضاعة وحدها في الحالات الاعتيادية تقدر بحولين كاملين فتبقى ستة اشهر ، والآيات تذكر ان هذا الانسان قد ولد لستة اشهر . مضافا الى ذلك ان الشكر على النعمة الالهية مطلوب من الانسان من عمر التكليف وليس حين يبلغ الاربعين سنة فقط ، مضافا الى ذلك ان الآيات تصرح بقبول عمل هذا الانسان وليس كل عامل عمله مقبول .

تفسير الآية في التراث السني

جاء في التراث الروائي التفسيري السني عن ابن عباس وعلي(ع) انها نزلت في ابي بكر وذريته .

قال القرطبي : وروي أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق وكان حمله وفصاله في ثلاثين شهرا حملته أمه تسعة أشهر وأرضعته إحدى وعشرين شهرا .[3]

قال السيوطي وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أنزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني الآية فاستجاب الله له فأسلم والداه جميعا وإخوانه وولده كلهم ونزلت فيه أيضا ﴿فاَمّا مَن أَعطى واتَّقى﴾ إلى آخر السورة .

قال القرطبي : وقال علي رضي الله عنه هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه أسلم أبواه جميعا ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره فأوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده .[4]

تفسير الآية في التراث الشيعي

وفي التفسير الروائي الشيعي عن علي بن الحسين(ع) والامام الصادق(ع) انها نزلت في الحسين(ع) وتسعة من ذريته .

روى الكليني بسنده عن ابي خديجة عن ابي عبد الله(ع) قال لما حملت فاطمة(ع) بالحسين جاء جبرئيل الى رسول الله(ص) فقال ان فاطمة ستلد غلاماً تقتله امتك من بعدك فلما حملت بالحسين(ع) كرهت حمله . وحين وضعته كرهت وضعه . ثم قال ابو عبد الله(ع) تكرهه لما علمت انه سيقتل . قال وفيه نزلت هذه الآية : ﴿وَوَصَّينا الإِنسانَ بِوالِدَيهِ إِحسانًا حَمَلَتهُ أُمُّهُ كُرهًا ووَضَعَتهُ كُرهًا وحَملُهُ وفِصالُهُ ثَلاثونَ شَهرًا﴾ . [5]

وروى الكليني ايضاً رواية اخرى اكثر تفصيلاً وهي : عن ابي عبد الله(ع) قال :

ان جبرئيل(ع) نزل على محمد(ص) فقال له يا محمد ان الله يبشرك بمولود يولد من فاطمة تقتله امتك من بعدك .

فقال : يا جبرئيل وعلى ربى السلام لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة تقتله امتي من بعدي .

فعرج ثم هبط(ع) فقال : يا محمد ان ربك يقرئك السلام ويبشرك بانه جاعل في ذريته الامامة والولاية والوصية ،

فقال : قد رضيت .

ثم ارسل الى فاطمة ؛ ان الله يبشرني بمولود يولد لك تقتله امتي من بعدي .

فأرسلت اليه لا حاجة لي في مولود مني تقتله امتك من بعدك .

فارسل اليها ان الله قد جعل في ذريته الامامة والولاية والوصية فأرسلت اليه اني قد رضيت .

قال وفيه نزلت هذه الآية : ﴿وَ وَصَّينا الإِنسانَ بِوالِدَيهِ إِحساناً حَمَلَتهُ أُمُّهُ كُرهاً وَوَضَعَتهُ كُرهاً وَحَملُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثونَ شَهراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَربَعينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوزِعني أَن أَشكُرَ نِعمَتَكَ الَّتي أَنعَمتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ واَن أَعمَلَ صالِحاً تَرضاهُ واَصلِح لي في ذُرّيَّتي﴾ فلو لا انه قال اصلح لي ذريتي لكانت ذريته كلهم ائمة .[6]

وقد رواها الشيخ الصدوق ايضا في كتابه علل الشرائع .

الواقع التاريخي يؤكد ان الحسين(ع) وذريته مصداق الآية

والواقع التاريخي الذي جرى بعد نزول القرآن نجده لصالح الرواية الشيعية حيث ولد الحسين(ع) لستة اشهر ورضاعته اربعة وعشرون شهرا هذه ثلاثون شهرا كما اشارت الآية . وقد استفاضت بل تواترت الاحاديث عن جده النبي(ص) في فضله .

وتصدت الدولة الاموية لتشويه نهضته وتأطيرها باطار الخروج على امام الزمان ، وان من خرج على امام زمانه مات ميتة جاهلية ورووا عن النبي(ص) كذبا انه قال (من خرج عن السلطان مات ميتة جاهلية) ، لتبرير قتله(ع) وسبي نسائه في مأساة لا نظير لها في تاريخ الاسلام ، واطبقت الامة على السكوت عشرين شهرا بعد الواقعة لا تسمع فيها من خطباء المنابر بعد صلاة الجمعة في كل الامة الاسلامية شرق الارض وغربها الا لعن علي والحسن والحسين

ثم تزلزلت الارض من تحت اقدام بني امية ، واستجاب الله تعالى دعاء الحسين(ع) :

حين بتر عمر يزيد ، ونزع رغبة الملك من قلب ولده معاوية فاستقال بعد اربعين يوما ، واختلف اهل الشام واقتتلوا على السلطة ، واقتتل اهل خراسان ، واقتتل اهل اليمن واهل البصرة ،

وامتازت الكوفة عن غيرها بان القتال كان فيها بين جبهة قاتلت الحسين(ع) وجبهة ترفع شعار الحسين للأخذ بثأره ممن كانوا في السجون من شيعته ، وبدأ النشء الجديد يتبرأ من بني امية ويترحم على الحسين وابيه واخيه: ، وينفتح على احاديث النبي(ص) فيهم وفي امامتهم الالهية حتى سقطت دولة بني امية وانهار اعلامهم في الحسين(ع) تماما .

وتحول قبر الحسين(ع) الى مزار عالمي قل نظيره .

مضافا الى ذرية تنتسب اليه بعدد غفير يملأ الدنيا برز منهم تسعة ائمة في الدين تاسعهم ادعي لهم انه غائب وانه لا زال حيا ينتظر اذن الله له بالظهور ليملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا وهي دعوى يحملها الشيعة ويملكون وسائل اثباتها لمن رام تحقيق النظر فيها .

وليس من شك ان هذه الامور بمجموعها تشكل ظاهرة خاصة بالحسين(ع) وذريته ، لا يملك ابو بكر وذريته شيئا منها على الاطلاق .

ويتضح من ذلك ان الرواية التي نسبت الى علي(ع) والى تلميذه ابن عباس ، وتقول ان الآية في ابي بكر وولده ليس لها شيء من الواقع التاريخي يصدقها ولو سلطنا البحث في اسانيدها لكشف البحث عن الوضاع الذي وضعها .

شرح الآيات

قوله تعالى ﴿وَوَصَّينا الأِنسانَ بِوالِدَيهِ إِحساناً﴾ :

وردت الوصية بالوالدين في آية اخرى : ﴿وَوَصَّينا الإِنسانَ بِوالِدَيهِ حُسناً واِن جاهَداكَ لِتُشرِكَ بي ما لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ فَلا تُطِعهُما﴾ العنكبوت/8 .

والاحسان والحُسن واحد ، والمعنى اننا امرنا الانسان بمعاملة والديه بالحسنى ، أي بالطاعة والموافقة لهما مادامت هذه الطاعة فيما امر به الله ونهى عنه ، فاذا امراه بالشرك فلا طاعة ولا موافقة .

وحين يكون الجو العام هو تبنى الدولة لعن علي بصفته ملحدا في الدين ، واستعانوا بالكذب على النبي ؛ لتأييد ذلك وتكريسه ، ثم ملاحقة من يعتقد بإمامة علي ويروي الاحاديث الصحيحة عن النبي في حقه ، وانزلوا به اشد العقاب من تسميل الاعين وقطع الايدي والارجل ، والسجن ، والنفي ، والقتل ، وتهديم البيوت ، ومحو اسمائهم من ديوان العطاء على مرأى من الحسين ومسمع يترتب على ذلك ان ينهض الحسين ليضع حدا لذلك ،

والآية كأنها تشير الى وجود وصية وعهد من الله تعالى الى الحسين بان يبر والديه ، وليس من شك ان من البر هو رفع الظلم والحيف عنهما ، وليس من شك ان اكبر ظلم وقع على النبي هو الكذب عليه واكبر ظلم وقع على علي هو تشويه سيرته ؛ ليظهروه بمظهر المفسد في الدين ، وانه يستحق البراءة واللعن وملاحقة شيعته ،

وهذه الوصية تقررت يوم رأى النبي في المنام بني امية ينزون على منبره وساءه ذلك ولم ير بعدها مستجمعا ضاحكا ، وقد واخبره الله تعالى انه المنجي من فتنتهم هو نهضة الحسين وشهادته وظلامته .

قال تعالى :

﴿وَ إِذ قُلنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ وَما جَعَلنا الرُّؤيا الَّتي أَرَيناكَ إِلاَّ فِتنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلعونَةَ في القُرآنِ وَنُخَوِّفُهُم فَما يَزيدُهُم إِلاَّ طُغياناً كَبيراً﴾ الإسراء/60 .

وروى السيوطي في الدر المنثور في تفسير عن ابن أبى حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى أمية على المنابر فساءه ذلك .

ولا بد ان النبي(ص) قد تحدث الحسين وهو ابن سبع سنوات بذلك ؛ ليستكشف رأيه ثم ابلغه الخبر الالهي ، والتقدير الالهي ومن الطبيعي ان يستجيب لجده ولربه كما استجاب اسماعيل لربه ولأبيه .

قوله تعالى ﴿ حَمَلَتهُ أُمُّهُ كُرهاً وَوَضَعَتهُ كُرهاً﴾ :

قال الامام الصادق(ع) قال لما حملت فاطمة(ع) بالحسين جاء جبرئيل الى الرسول الله(ص) فقال ان فاطمة ستلد غلاماً تقتله امتك من بعدك فلما حملت بالحسين(ع) كرهت حمله . وحين وضعته كرهت وضعه . ثم قال ابو عبد الله(ع) تكرهه لما عملت انه سيقتل .

قوله تعالى ﴿وَحَملُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثونَ شَهراً﴾:

روى الطبري قال : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي عبيدة قال : رفع إلى عثمان امرأة ولدت لستة أشهر ، فقال : إنها رفعت لا أراها إلا قد جاءت بشر أو نحو هذا ولدت لستة أشهر ، فقال ابن عباس : إذا أتمت الرضاع كان الحمل لستة أشهر . قال : وتلا ابن عباس : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ، فإذا أتمت الرضاع كان الحمل لستة أشهر . فخلى عثمان سبيلها .

اقول : بل الفتوى اساسا هي لعلي(ع) كما في الرواية الاتية .

روى الطبري قال : حدثني يونس بن عبد الاعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال ثني : ابن أبي ذئب ، عن أبي قسيط ، عن بعجة بن زيد الجهني ، أن امرأة منهم دخلت على زوجها ، وهو رجل منهم أيضا ، فولدت له في ستة أشهر ، فذكر ذلك لعثمان بن عفان رضي الله عنه ، فأمر بها أن ترجم ، فدخل عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقال : إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا . وقال : وفصاله في عامين قال : فوالله ما بعد عثمان أن بعث إليها ترد .[7]

وروي أن امرأة دخلت على زوجها فولدت منه لستة أشهر ، فذكر ذلك لعثمان رضي الله عنه فأمر برجمها ، فقال له علي : قال الله تعالى ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرا﴾ وقال في آية أخرى ﴿ وفصاله في عامين﴾ فوالله ما بعد عثمان أن بعث إليها ترد .[8]

اقول : والروايات الآنفة الذكر تخفيف لأصل الرواية اذ ان فتوى علي(ع) جاءتهم متأخرة وقد فرغ من المرأة ، كما في الرواية الاتية :

روى ابن كثير في تفسيره قال : قال محمد بن إسحاق بن يسار عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن معمر بن عبد الله الجهني قال تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت له لتمام ستة أشهر فانطلق زوجها إلى عثمان رضي الله عنه فذكر ذلك له فبعث إليها فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها فقالت وما يبكيك فوالله ما التبس بي أحد من خلق الله تعالى غيره قط فيقضي الله سبحانه وتعالى في ما شاء فلما أتي بها عثمان رضي الله عنه أمر برجمها فبلغ ذلك عليا رضي الله عنه فأتاه فقال له ما تصنع ؟

قال ولدت تماما لستة أشهر وهل يكون ذلك ؟

فقال له علي رضي الله عنه أما تقرأ القرآن ؟

قال بلى .

قال أما سمعت الله عز وجل يقول ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرا﴾ وقال ﴿حولين كاملين﴾ فلم نجده بقي إلا ستة أشهر .

قال : فقال عثمان رضي الله عنه والله ما فطنت بهذا علي بالمرأة فوجدوها قد فُرِغ منها .

قال : فقال معمر فوالله ما الغراب بالغراب ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه فلما رآه أبوه قال ابني والله لا أشك فيه قال وابتلاه الله تعالى بهذه القرحة بوجهه الآكلة فما زالت تأكله حتى مات رواه ابن أبي حاتم .[9]

قوله تعالى﴿حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾:

بلوغ الاشد : هو الاحتلام كما في الروايات عن اهل البيت(ع) وقد ذكرت الروايات السن التي يقع فيها الاحتلام وهي : اذا انهى ثلاث عشرة سنة ودخل في السنة الرابعة عشرة[10] ، وايضا ورد ان الاحتلام يحصل في ست عشرة سنة وسبع عشرة سنة وثماني عشرة سنة[11] ، وليس من شك ان السن المتعارفة هي خمس عشرة سنة والدخول في السادسة عشرة .

قوله تعالى ﴿وَبَلَغَ أَربَعينَ سَنَةً﴾:

اقول فيه احتمالان :

الاول : ان الاربعين سنة تحسب من ولادته . والمعنى ان هذا الانسان لما بلغ من العمر اربعين سنة قال قوله الذي ذكرته الآية .

الثاني : ان الاربعين سنة تحتسب من البلوغ أي عاش اربعين سنة بعد بلوغ الاشد ، فيكون المعنى ان هذا الانسان لما بلغ الخامسة والخمسين من عمره قال قوله الانف الذكر .

وليس من شك ان حمل الآية على المعنى الاول يجعل ذكر بلوغ الاشد زائدا ولغوا وهو خلاف ما يعرف عن القرآن من انه يحسب لكل حرف وكلمة حسابها بخلاف حملها على الاحتمال الثاني .

ولما كانت الآية/تبعا للرواية الواردة / تتحدث عن الحسين(ع) فهي اذن تريد ان تذكر عمره الشريف ولكنها تحاشت ذكره بشكل صريح جدا لمنهج وحكمة عرف بها القرآن عند حديثه عن الاشخاص[12] .

ومن الثابت تاريخيا ان الحسين(ع) حين قتل يوم عاشورا سنة 61 هجـ كان ابن الخامسة والخمسين وشهور فمن المؤرخين من جعله ابن خمس وخمسين سنة واربعة اشهر وسبعة ايام ، وقد وردت رواية في ذلك رواها ابن سعد في طبقاته ، ومنهم من جعله ابن ست وخمسين واشهر كما عند غيره .

قوله تعالى ﴿قالَ رَبِّ أَوزِعني أَن أَشكُرَ نِعمَتَكَ الَّتي أَنعَمتَ عَلَيَّ﴾:

أوزعني ان اشكر : أي اجعلني مولَعا بشكرك يا رب .

نعمتك التي انعمت عليَّ : هي نعمة الاصطفاء والاجتباء ومن مظاهرها الطهارة ، واذهاب الرجس ، وضمان اجابة الدعاء ووراثة العلم[13] ، والتوكيل الالهي بحفظ الرسالة . وقد كان الحسين(ع) احد افراد آية التطهير ، واحد افراد اية المباهلة . واحد افراد اية القربى . ثم هو احد الاوصياء وورثة العلم الذي كتبه علي(ع) بإملاء النبي(ص) .

قوله تعالى ﴿وَعَلى والِدَيَّ﴾:

هما علي(ع) والنبي(ص) وقد انعم عليهما بنعمة الاصطفاء بالطهارة وانعم على النبي بالنبوة وعلى علي بالإمامة . نظير قول يعقوب ليوسف ﴿وَكَذلِكَ يَجتَبيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تاويلِ الأَحاديثِ وَيُتِمُّ نِعمَتَهُ عَلَيكَ وَعَلى آلِ يَعقوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيكَ مِن قَبلُ إِبراهيمَ واِسحاقَ﴾ يوسف/6 .

قوله تعالى ﴿واَن أَعمَلَ صالِحاً﴾:

لما كان الحسين(ع) بعد هلاك معاوية قد رفض بيعة يزيد ، وهو الاحسان الذي تفرضه الوصية بالوالدين ، اذ كيف يتوقع ان يبايع الحسين(ع) لنظام جعل من اوليات سياسته التربوية والدينية لعن علي(ع) بوصفه ملحدا في الدين ، وعلي(ع) ولي الناس بعد النبي(ص) بنص كلام النبي(ص) في غدير خم (الله مولاي وانا مولى المؤمنين فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه وانصر من نصرة واخذل من خذله) .

ثم ان رفض البيعة يستتبعه مواقف اخرى تنسجم معها من قبيل اعلام الناس باحاديث النبي(ص) في حق علي(ع) وهي ممنوعة ويستلزم الحديث بها تعريض المتحدث بها الى ما لا يتصور من العذاب والنكال . كما يستلزم ذلك ان يعرض الحسين(ع) نفسه الى القتل ولا يقتل دون ان يقتل احباؤه معه . وليس من شك ان هذا العمل سوف تختلف فيه انظار الناس فيه بين مؤيد ومعارض و(الناس عبيد الدنيا والدين لعق على السنتهم يحوطونه ما درت معايشهم فاذا محصوا بالبلاء قل الديانون) .

اذن المرحلة تقتضي ان يتوجه الحسين(ع) الى ربه يدعوه ؛ لكي يوفقه الى عمل صالح لا تشوبه شائبة . عمل صالح على غرار عمل جده النبي(ص) حين نهض بأمر الله تعالى ليحرر دين ابراهيم من بدع قريش المشركة ، وعمل ابيه علي(ع) حين نهض بوصية من النبي(ص) ؛ ليحرر دين محمد(ص) من بدع قريش المسلمة . والان عليه ان ينهض بوصية من النبي(ص) ؛ ليحرر دين الله من بدع بني امية .

(اريد ان آمر بالمعروف وانهي عن المنكر واسير بسيرة جدي وأبي علي ابن ابي طالب).

(اني رأيت رسول الله في المنام وقد امرني بأمر وانا ماض له) .

وقد تميزت حركة الحسين(ع) منذ يوم اعلانها في مكة بالامتناع عن بيعة يزيد ، وبقي هذا الموقف واحدا وقد كلفه حياته وحياة من معه من اهل بيته واصحابه ، وسبي نسائه الى الشام .

قوله تعالى ﴿تَرضاهُ﴾:

أي تتقبله ، بان تظهر اثره في الدنيا قبل الاخرة ؛ لان القضية قضية احياء دين وشريعة في المجتمع ، لتبقى حجة الله قائمة على البشر .

قوله تعالى ﴿واَصلِح لي في ذُرّيَّتي﴾ :

قال الامام الصادق(ع) : فلو لا انه قال اصلح لي ذريتي لكانت ذريته كلهم ائمة . ولا يبعد ان الدعاء من الامام الحسين كان ليلة العاشر من المحرم حيث كان ولده علي قد اشرف على الهلاك ، بسبب مرضة بالذرب ، وهو الذي اقعده عن الحرب ، فهو دعاء يخص ولده عليا ؛ لشفائه بوصفه الوصي بعده نظير دعاء زكريا لإصلاح زوجته ؛ لأنها كانت عاقرا وكانت امرأة صالحة ﴿وَزَكَريّا إِذ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرني فَرداً واَنتَ خَيرُ الوارِثينَ (89) فاستَجَبنا لَهُ وَوَهَبنا لَهُ يَحيى واَصلَحنا لَهُ زَوجَهُ إِنَّهُم كانوا يُسارِعونَ في الخَيراتِ وَيَدعونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانوا لَنا خاشِعينَ(90)﴾ الأنبياء/89 ـ90 .

ومن المفيد جدا ان نقارن بين دعاء الامام الحسين(ع) هذا ودعاء سليمان(ع) في قصته مع النمل قال تعالى :

﴿وَ لَقَد آتَينا داوُدَ وَسُلَيمانَ عِلماً وَقالاَ الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي فَضَّلَنا عَلى كَثيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤمِنينَ (15) ووَرِثَ سُلَيمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّها النّاسُ عُلِّمنا مَنطِقَ الطَّيرِ واوتينا مِن كُلِّ شَي‏ءٍ إِنَّ هذا لَهوَ الفَضلُ المُبينُ (16) وحُشِرَ لِسُلَيمانَ جُنودُهُ مِنَ الجِنِّ والإِنسِ والطَّيرِ فَهُم يوزَعونَ (17) حَتَّى إِذا أَتَوا عَلى وادِ النَّملِ قالَت نَملَةٌ يا أَيُّها النَّملُ ادخُلوا مَساكِنَكُم لا يَحطِمَنَّكُم سُلَيمانُ وَجُنودُهُ وَهُم لا يَشعُرونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِن قَولِها وَقالَ رَبِّ أَوزِعني أَن أَشكُرَ نِعمَتَكَ الَّتي أَنعَمتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ واَن أَعمَلَ صالِحاً تَرضاهُ واَدخِلني بِرَحمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحينَ (19)﴾ النمل/15ـ 19 .

ان النبي سليمان هنا يشكر الله تعالى على نعمة الاصطفاء التي منَّ بها عليه وعلى والديه ﴿الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي فَضَّلَنا عَلى كَثيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤمِنينَ﴾ وكان من مظاهر هذا التفضيل هو العلم ومنه علم منطق الطير ومنه طاعة الجن والطير والريح له . ووالداه هما داود و يعقوب جده وجد ابيه وهو الاصل في النعمة الخاصة لبني اسرائيل .

واللافت للنظر ان سليمان لم يطلب من الله تعالى ان يصلح له في ذريته مع كثرتهم ، والملاحظ على هذه الذرية انها لم يبعث منها نبي بعد سليمان ، ولم يبرز منهم امام هدى ، وما ورد من نسب عيسى الى سليمان بواسطة يوسف النجار باطل ؛ لان عيسى خلقه الله تعالى من غير اب ولم يكن يوسف النجار ابا له حتى يتصل عن طريقه الى سليمان . ولم يدع سليمان بان يصلح الله تعالى في ذريته لا خبار الله تعالى اياه انه لم يقدِّر ان يكون فيهم اصفياء فلا ينبغي ان يدعو بمثل ذلك الدعاء وهذا يفسر قوله تعالى حاكيا عن سليمان :

﴿قالَ رَبِّ اغفِر لي وَهَب لي مُلكاً لا يَنبَغي لأَِحَدٍ مِن بَعدي إِنَّكَ أَنتَ الوَهّابُ﴾ ص/35 .

أي لا يورث من قبل ذريته اذ لا يوجد فيهم صفي لله تعالى ومن هنا كان وارث علمه شخص آخر ليس من ذريته وهو الذي وردت قصته مع عرش ملكة سبأ :

﴿قالَ يا أَيُّها المَلَؤُا أَيُّكُم ياتيني بِعَرشِها قَبلَ أَن ياتوني مُسلِمينَ (38) قالَ عِفريتٌ مِنَ الجِنِّ أَنا آتيكَ بِهِ قَبلَ أَن تَقومَ مِن مَقامِكَ واِنّي عَلَيهِ لَقَويٌّ أَمينٌ (39) قالَ الَّذي عِندَهُ عِلمٌ مِنَ الكِتابِ أَنا آتيكَ بِهِ قَبلَ أَن يَرتَدَّ إِلَيكَ طَرفُكَ فَلَمّا راهُ مُستَقِرًّا عِندَهُ قالَ هذا مِن فَضلِ رَبّي ليَبلوَني أاَشكُرُ أَم أَكفُرُ وَمَن شَكَرَ فاِنَّما يَشكُرُ لِنَفسِهِ وَمَن كَفَرَ فاِنَّ رَبّي غَنيٌّ كَريمٌ (40)﴾ النمل/38-40 .

وكان هذا الشخص الذي عنده علم من الكتاب هو وارث سليمان وهو اصف بن برخيا .

قوله تعالى ﴿إِنّي تُبتُ إِلَيكَ﴾:

أي اني رائح اليك مؤثر الحياة عندك على الحياة مع الظالمين ، واني منقاد لامرك حيث امرتني ان اكون بارا بوالديَّ حينما ارى دينهما وسيرتهما تتعرض للتحريف وقد اخذا على العهد ان انهض لمقاومة ضلالة بني امية . وتعبير التوبة لا يشير انه كان مذنبا في نفسه بل يوحي انه كان ملوما من الآخرين حينما رأوا الحسين(ع) قد سكت مدة عشر سنوات بعد وفاة الحسن(ع) ، ومعاوية يعيث في دين الله تعالى فسادا ، ويلاحق عباد الله يقتلهم ويسجنهم ويشردهم .

وقد اشار(ع) في رسالته الى معاوية بعد ان قتل حجر بن عدي وصحبه الابرار ونمي الى معاوية ان وجوه اهل العراق وجوه اهل الحجاز يختلفون الى الحسين(ع) ، وانه لا يؤمَن وثوبه ، وكتب معاوية اليه يحذره فكتب الحسين(ع) رسالة مفصلة جاء فيها :

“ما اردت لك حربا ولا عليك خلافا واني لاخشى الله في ترك ذلك منك ومن الاعذار فيه اليك والى اوليائك الفاسقين الملحدين حزب الظلمة ، اولست القاتل حجر بن عدي اخا كندة واصحابه المصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستفضعون البدع ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يخافون في الله لومة لائم . . . ولاني لا أعلم فتنة على هذه الامة اعظم من ولايتك عليها ولا اعظم لنفسي ولديني ولامة محمد افضل من ان اجاهدك فان فعلت فإنه قربة الى الله تعالى وان تركته استغفر الله لديني واسأله توفيقه . . .” .

قوله تعالى ﴿واِنّي مِنَ المُسلِمينَ﴾:

أي المنقادين لأمرك انقيادا تاما ، يريد(ع) الاشارة الى انه ما سكت في عهد معاوية الا بأمره تعالى الذي وصله عن طريق وصية جده النبي(ص) وما قام في وجه يزيد بن معاوية الا بأمره تعالى الذي وصله عن طريق وصية جده النبي(ص) .

والحسين(ع) احد افراد قوله تعالى ﴿وَ جاهِدوا في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هوَ اجتَباكُم وَما جَعَلَ عَلَيكُم في الدّينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أَبيكُم إِبراهيمَ هوَ سَمّاكُمُ المُسلِمينَ مِن قَبلُ وَفي هذا ليَكونَ الرَّسولُ شَهيداً عَلَيكُم وَتَكونوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فاَقيموا الصَّلاةَ واتوا الزَّكاةَ واعتَصِموا بِاللهِ هوَ مَولاكُم فَنِعمَ المَولى وَنِعمَ النَّصيرُ﴾ الحج/78 .

وقوله تعالى ﴿وَ إِذ يَرفَعُ إِبراهيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيتِ واِسماعيلُ رَبَّنا تَقَبَّل مِنّا إِنَّكَ أَنتَ السَّميعُ العَليمُ (127) رَبَّنا واجعَلنا مُسلِمَينِ لَكَ وَمِن ذُرّيَّتِنا أُمَّةً مُسلِمَةً لَكَ واَرِنا مَناسِكَنا وَتُب عَلَينا إِنَّكَ أَنتَ التَّوّابُ الرَّحيمُ (128) رَبَّنا وابعَث فيهِم رَسولاً مِنهُم يَتلوا عَلَيهِم آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكمَةَ وَيُزَكّيهِم إِنَّكَ أَنتَ العَزيزُ الحَكيمُ (129)﴾ البقرة/127-129 .

قوله تعالى ﴿أولئِكَ الَّذينَ نَتَقَبَّلُ عَنهُم أَحسَنَ ما عَمِلوا﴾:

وهذا اعلان من الله تعالى انه تقبل من الحسين(ع) احسن عمله وهو بذله نفسه في الله تعالى . واظهر قبوله لعمله في الدنيا فلم يحظَ نبي ولا وصي نبي بما حضي به الحسين(ع) من ظهور قبول عمله من الله وحين رزق اتباع يملؤون الدنيا وذرية طيبة منهم تسعة ائمة اعلام هدى .

قوله تعالى ﴿وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئاتِهِم﴾:

أي محو السيئات التي نسبت اليهم ، وشوهت صورتهم بها من خلال الاعلام الاموي الى حالة حسنة في المجتمع . وهذا هو الذي حصل في الواقع فقد تبدلت سريعا تلك النظرة السيئة التي كونها الاعلام الاموي ؛ لتبرير قتل الحسين(ع) وسبي نسائه الى الشام وتحولت الى ذكر حسن وصار الحسين(ع) وصحبه يضرب بهم المثل الطيب في الجهاد وفي الفداء بما لم يحظ غيره بمثله .

قوله تعالى ﴿في أَصحابِ الجَنَّةِ وَعدَ الصِّدقِ الَّذي كانوا يوعَدونَ﴾ :

أي مضافا الى ذلك الذكر الحسن فهو واهل بيته وصحبه الذين استشهدوا معه في الجنة . هذا الوعد المذكور في قوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللهَ اشتَرى مِنَ المُؤمِنينَ أَنفُسَهُم واَموالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلونَ في سَبيلِ اللهِ فَيَقتُلونَ وَيُقتَلونَ وَعداً عَلَيهِ حَقًّا في التَّوراةِ والإِنجيلِ والقُرآنِ وَمَن أَوفى بِعَهدِهِ مِنَ اللهِ فاستَبشِروا بِبَيعِكُمُ الَّذي بايَعتُم بِهِ وَذلِكَ هوَ الفَوزُ العَظيمُ (111) التّائِبونَ العابِدونَ الحامِدونَ السّائِحونَ الرّاكِعونَ السّاجِدونَ الآمِرونَ بِالمَعروفِ والنّاهونَ عَنِ المُنكَرِ والحافِظونَ لِحُدودِ اللهِ وَبَشِّرِ المُؤمِنينَ (112) ﴾ التوبة/111-112 .

والآية تشير الى امور عدة :

منها : الإخبار بانهم يقتُلون ويقتَلون .

ومنها : الوعد لمن يقتل منهم ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ .

ومنها : البشرى للمؤمنين بان قتلهم سوف ينتج انتصار رسالة الله ﴿وَبَشِّرِ المُؤمِنينَ﴾ .

ومنها : الصفات الممتازة لهؤلاء المؤمنين

﴿التّائِبونَ

العابِدونَ

الحامِدونَ

السّائِحونَ أي الصائمون .

الرّاكِعونَ السّاجِدونَ

الآمِرونَ بِالمَعروفِ والنّاهونَ عَنِ المُنكَرِ

والحافِظونَ لِحُدودِ اللهِ﴾ .

وقد صدقها الواقع التاريخي ، فقد جاء في قصة مقتل الحسين(ع) ان جيش بني امية لما تحرك ظهر يوم التاسع يريدون جوابا من الحسين(ع) ويخيرونه واصحابه بين البيعة ليزيد او القتال ثم القتل لامحالة ، ارسل اخاه العباس وقال له :

(إن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة وتدفعهم عند العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم أني قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار) .

ومنها : ان خبر هؤلاء المؤمنين والوعدين لهم في التوراة والانجيل والقرآن ﴿وَعداً عَلَيهِ حَقًّا في التَّوراةِ والإِنجيلِ والقُرآنِ﴾ وسيأتي تفصيل ذلك في حلقة قادمة ان شاء الله تعالى .

 

السيد سامي البدري
النجف الاشرف
محرم الحرام سنة 1432هـ

_____________________________

[1] الكليني، الكافي ج1/464 .

[2] راجع تفسير نور الثقلين – الشيخ الحويزي ج 3 ص 501 .

[3] تفسير القرطبي 16/193

[4] تفسير القرطبي ج: 16 ص: 195.

[5] الكليني الكافي ج1/464 .

[6] الكافي ج1 ص464 رواية 4.

[7] جامع البيان – ابن جرير الطبري ج 52 ص 131.

[8] تفسير القرطبي – القرطبي ج 61 ص 120

[9] تفسير ابن كثير – ابن كثير ج 4 ص 169.

[10] بحار ج100 /162

[11] بحار الانوار ج12/284، ج13/49.وفي تفسير الطبري ج: 8 ص: 85 وأما قوله حتى يبلغ أشده فإن الأشد جمع شد كما الأضر جمع ضر وكما الأشر جمع شر والشد القوة وهو استحكام قوة شبابه وسنه، فأما أهل التأويل فإنهم مختلفون في الحين الذي إذا بلغه الإنسان قيل بلغ أشده فقال بعضهم يقال ذلك له إذا بلغ الحلم ذكر من قال ذلك حدثني أحمد بن عبد الرحمن قال ثنا عمي قال أخبرني يحيى بن أيوب عن عمرو بن الحرث عن ربيعة في قوله حتى يبلغ أشده قال الحلم حدثني أحمد بن عبد الرحمن قال ثنا عمي قال ثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه مثله قال ابن وهب وقال لي مالك مثله حدثت عن الحماني قال ثنا هشيم عن مجاهد عن عامر حتى يبلغ أشده قال الأشد الحلم حيث تكتب له الحسنات وتكتب عليه السيئات وقال آخرون إنما يقال ذلك له إذا بلغ ثلاثين سنة.

[12] فهو مثلا لم يذكر اسماء اهل البيت(ع) في آية التطهير، ولم يذكر اسم علي(ع) في آية التبليغ ولم يذكر اسم الوليد بن عقبة في آية النبأ ﴿يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا إِن جاءَكُم فاسِقٌ بِنَباٍ فَتَبَيَّنوا أَن تُصيبوا قَوماً بِجَهالَةٍ فَتُصبِحوا عَلى ما فَعَلتُم نادِمينَ﴾ الحجرات/6 ونظائر ذلك كثيرة.

[13] وقد قد ورد عن سعدبن ابي وقاص قوله تذكر قصة المباهلة .

رجوع إلى قائمة المكتبة الحسينية الميسرة 

الزيارات : 1220

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*

2 + twelve =