النهضة الحسينية خلفيات ونتائج

النهضة الحسينية  خلفيات ونتائج

الطبعة الثالثة مزيدة ومنقحة 1433هـ ـ 2011م

تحميل بهيئة بي دي اف تحميل بهيئة PDF

 

 

من بيانات النهضة الحسينية

قال الحسين(ع) :

“ اني لم أخرج اشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما .

وإنما خرجت لطلب ا لاصلاح في امة جدي ،

أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ،

وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن ابي طالب ،

فمن قبلني بقبول الحق فالله اولى بالحق ،

ومن ردَّ عليَّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو احكم الحاكمين” .[1]

وقال(ع) :

“أيها الناس ، إن رسول الله(ص) قال :

من رأى سلطانا جائرا مستحلا لـِحُرَم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله(ص) يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ،

فلم يغير عليه بفعل ولا قول ، كان حقا على الله أن يدخله مدخله .

ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمان وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله و حرموا حلاله .

وأنا أحق من غير” [2] .

ومن رسالته(ع) الى معاوية بعد قتل حجر بن عدي رحمه الله وعمرو بن الحمق :

“ما اردت لك حربا ، ولا عليك خلافا , واني لأخشى الله في ترك ذلك منك ومن الاعذار فيه اليك والى اوليائك الفاسقين الملحدين حزب الظلمة . ألَستَ القاتل حجر بن عدي اخا كنده واصحابه المصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستفظعون البدع ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ولا يخافون في الله لومة لائم ؟ ثم قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعدما اعطيتهم الايمان المغلّظة والمواثيق المؤكدة .  . جرأة على الله واستخفافا بعهده . ولعمري ما وفيتَ بشرط ، ولقد نقضتَ عهدَك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والايمان والعهود والمواثيق ، فقتَلتَهم من غير أن يكونوا قاتلوك ونقضوا عهدك ،

ولم تفعل ذلك بهم الا لذكرهم فضلنا وتعظيمهم حقنا .

فقتلتهم مخافة امر لعلك لولم تقتلهم مت قبل ان يفعلوا ، أو ماتوا قبل ان يدركوا .

فابشر يا معاوية بالقصاص وايقن بالحساب .  .  .

وليس الله بناس لأخذك بالظنة ، وقتلك اولياءه على التهم ، ونفيك اياهم من دورهم الى دار الغربة ، واخذك الناس ببيعة ابنك غلام حدث يشرب الشراب ويلعب بالقرود” .[3]

ومن كلامه(ع) في المؤتمر السري الذي عقده قبل موت معاوية بسنة :

“ان الطاغية قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم واني اريد ان اسألكم عن شيء فان صدقت فصدقوني وان كذبت فكذبوني ، اسمعوا مقالتي ، واكتبوا قولي ، ثم ارجعوا الى امصاركم وقبائلكم فمن امنتم من الناس ، ووثقتم به فادعوهم الى ما تعلمون من حقنا فاني اتخوف ان يُدْرس[4] هذا الامر ويذهب الحق ويُغلب ، واللّه متم نوره ولوكره الكافرون” .

قال الراوي :

وما ترك شيئا مما انزله الله فيهم من القرآن الا تلاه وفسره ، ولا شيئا مما قال رسول الله(ص) في ابيه واخيه وامه وفي نفسه واهل بيته الا رواه .  .  .

وفي كل ذلك يقول اصحابه ، اللّهم نعم وقد سمعنا وشهدنا

ويقول التابعي : اللهم قد حدثني به من اثق به وائتمنه من الصحابة .

فقال(ع) : “ انشدكم الله الا حدثتم به من تثقون به وبدينه” .[5]

قال(ع) :

“ اني أدعوكم إلى الله والى نبيه فإن السنة قد أميتت فإن تجيبوا دعوتي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد ” .

وقال(ع) :

“ إنا أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، ومحل الرحمة بنا فتح الله ، وبنا ختم” .

وقال(ع) :

“لو لم يكن في الدنيا ملجأ لما بايعت يزيد” .

هناك عدة اسئلة تفرض نفسها في قضية
النهضة الحسينية

السؤال الاول : ما هي خلفيات النهضة الحسينية ؟

السؤال الثاني : هل شكلت النهضة الحسينية مشروعا فكريا وسياسيا متكاملا ؟ وبعبارة اخرى ماهي معالم المشروع الكامل للنهضة الحسينية ؟

السؤال الثالث : ماهي النتائج التي حققها المشروع الحسيني على مدى احدى وسبعين سنة من انطلاقته ؟

السؤال الرابع : لماذا الاستمرار في احياء الذكرى يعد تحقق النتائج ؟

خلفيات النهضة الحسينية

نريد بخلفيات النهضة الحسينية : الحوادث التي تعيننا في فهم اهداف نهضة الحسين(ع) في وجه بني أمية ، ويوضح الموقف الحاقد اللئيم الذي برز من بني امية ازاء الحسين(ع) واهل بيته هذا الموقف الذي يعبر عنه القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً﴾ التوبة/8 .

هذه الخلفيات منها ما هو قريب جدا من النهضة الحسينية وهي حوادث انقلاب معاوية على الحسن(ع) ونقضه العهد معه بنقض كل شروطه سنة خمسين للهجرة[6] وترويعه شيعة علي(ع) وملاحقتهم ومنعهم من ذكر فضائله او التعبد على طريقته التي هي طريقة النبي(ص) وإغراق الأمة بالأحاديث الكاذبة التي تفضل بني امية وتشيِّد امامتهم الدينية .

ومن هذه الخلفيات ما يرجع الى انقلاب قريش المسلمة على علي(ع) ونقض بيعة الغدير واحداث اجتهادات في الدين وبدع فرضتها على المسلمين بالقهر والارهاب ، ثم نهضة علي(ع) سنة 28 هـ بإحيائه حج التمتع الذي نهت عنه السلطة القرشية ، ثم واصل احياءه للسنة النبوية حين بويع بعد قتل عثمان .

ومن هذه الخلفيات ما يتصل بعهد النبوة والرسالة ومعركة النبي(ص) مع قريش المشركة التي ابتدعت امورا في دين ابراهيم ، وابتداعهم هذا لابد من بحثه في حقبته التاريخية التي بدأت قريش فيها بالظهور على عهد قصي وهذه هي الخلفية الأبعد ولكنها مهمة جدا في توضيح النهضة الحسينية وطبيعة الحقد الأموي على آل محمد(ص) .

ويمكننا ان نلخص هذه الخلفيات بما يلي :

اولا : أنشأ قصي التجمّع الفهري الذي سمي بـ قريش أي القبائل المتجمعة من ذرية فهر في ظل دين إبراهيم وانتظار بعثة النبي الموعود في مكة حين استلم ولاية مكة من خزاعة ، وكانت بيوتات فهر الجد العاشر للنبي(ص) متفرقة في مكة فجمعهم حول البيت فسموا قريشا ولقب قصي بمجمِّع .

ثانيا : كان قصي زعيما سياسيا واماما دينيا على ملة ابراهيم ، وعنه يأخذ الناس أحكام دين أبراهيم والمناسك ، وهو أساسا احد أوصياء النبي إبراهيم من ذرية اسماعيل فان خط اباء النبي(ص) موحدون يمثلون (الاصلاب الشامخة)[7] في أدب الزيارة عن الحسين(ع) . يحملون نور النبي(ص) كابرا عن كابرا[8] .

ثالثا : أوصى قصي بالزّعامة الدينية والسياسية من بعده إلى ولده عبد مناف الذي حمل نور محمد(ص) في صلبه .

رابعا : ولد عبد مناف هاشما والمطلب وكانا يدا واحدة ، وعبد شمس ونوفلا وكانا يدا واحدة . واوصى عبد مناف بالزعامة الدينية والسياسية الى ولده هاشم الذي حمل نور محمد(ص) في صلبه .

خامسا : سن هاشم لقريش رحلة الشتاء والصيف واثْرَت بسببها وصارت لهم علاقة مع الملوك ، وولد له نضلة واسد ابو فاطمة زوجة ابي طالب ، ثم ولد عبد المطلب .

سادسا : اوصى هاشم الى اخيه المطلب ريثما يكبر ولده عبد المطلب لان نور النبي في صلبه ، ثم اوصى المطلب الى عبد المطلب .

سابعا : برزت شخصية عبد المطلب وزاده الله تعالى شرفا الى شرف آبائه ، وايده بحفر زمزم ، ولما غزا ابرهة البيت دعا عبد المطلب قريشا ان يقاتلوا ابرهة فرفضوا وتهاربوا الى الجبال وبقي هو وبنو المطلب معه ورد الله تعالى عنه كيد جيش ابرهة صاحب الفيل ، وكان ذلك تأييدا الهيا واضحا على امامته وزعامته واولويته بإبراهيم وبيته وكانت قريش تسميه ابراهيم الثاني في امامته الدينية وسننه .

ثامنا : اوصى عبد المطلب الى ولده ابي طالب وكلفه برعاية النبي(ص) .

تاسعا : انقلبت قريش من خلال بني امية الذين برزت منهم وجوه حسدت بني هاشم وتاقت انفسهم الى الزعامة ، فقالوا : ان قريش كلها اولى بإبراهيم واولى بالبيت وسمت نفسها (آل الله) وتبنت خدمة الاصنام لكسب قبائل كنانة وخزاعة التي رفعت اول صنم على الكعبة حين وليت امرها ، ثم ابتدعت في دين ابراهيم بدعة جديدة هي بدعة الحمس وكان من احكامها ان لا يقفوا مع العرب في عرفة لانهم اهل الحرم وفرضوا على الحجاج ان يطوفوا بثياب قرشية وإلا فان حجّهم غير مقبول ، وهكذا فانهم انتحلوا الامامة الابراهيمية التي وصلت الى عبد المطلب وايده الله فيها بمؤيدات اعظمها حفر زمزم وكانت قد طُمّت من زمن جرهم ولم تهتدي اليها خزاعة فبقيت مطمومه حتى اظهرها عبد المطلب بوحي الهي له في الرؤيا .

عاشرا : بعث الله تعالى نبيه محمدا(ص) رسولا الى اهل مكة ليجدد دين ابراهيم وليحرره من بدع خزاعة وقريش المشركة ويعيد امامة ابراهيم الى ذرية ابي طالب وصي عبد المطلب وكافل الرسول وحاميه وهو علي الذي رباه النبي تربية خاصة منذ ولادته ، واصطحبه الى غار حراء بلغ عمره ست سنوات واستمر يصلي معه مدة سبع سنوات ، ولما كلفه الله تعالى بالرسالة سال ربه ان يجعل عليا وزيرا له كما سال موسى يوم كلف بالرسالة ان يجعل اخاه هارون وزيرا ، واجابه الى ما سأل ، وقال النبي(ص)  لعلي(ع)  “انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي” .

حادي عشر : تبنى بنو هاشم بقيادة ابي طالب نصر النبي(ص) وربطوا انفسهم مصيريا به وتبنت قبائل قريش الاخرى بزعامة بني امية ومخزوم ايذاء النبي(ص) ومن امن به ثم قاطعت بني هاشم ثلاث سنوت وكان ابو طالب يستعيذ بالله من قريش قال :

اعوذ برب الناس من كل طاعن *** علينا بشر أو ملحق باطل

ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة *** ومن مفتر[9] في الدين مالم نحاول

ثم حاربته بعد هجرته الى المدينة ست سنوات وصالحها النبي(ص) في الحديبية ثم نقضت صلحها معه ، ثم نصر الله تعالى نبيه(ص) وفتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة ودخلت قريش في الاسلام طامعة خائفة ولكنها احتفظت بالحقد واللؤم على علي(ع)  لانه وترهم وقتل صناديهم وحسدوه على مقامه الذي حباه الله ورسوله به .

ثاني عشر : وحين نزل قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ المائدة/67 في السنة العاشرة من الهجرة اعلن النبي امام مائة الف او يزيدون قوله(ص) : الله مولاي وانا مولى المؤمنين فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه .

ثالث عشر : انقلبت قريش المسلمة على علي(ع) وادعت الامامة في دين النبي(ص) وحرفت جملة من احكامه ونهت عن حج التمتع وامور اخرى سميت فيما بعد بـ(سيرة الشيخين(تعبيرا عن امامتهما الدينية وصارت اساسا لمن يراد له ان يبايع على الحكم ، وعرضت قريش ذلك على عليا(ع) بعد موت عمر في الشورى السداسية ولكن عليا رفض ان يعمل بسيرة الشيخين وقال ”ان كتاب الله وسنة النبي لا يحتاجان الى إجّيَري احد“ ، ولأنه الامام المعين من الله تعالى ورسوله .

رابع عشر : انشقت قريش الحاكمة على عهد عثمان فصارت جناحين ، جناحا حاكما وهو بنو امية وجناحا متذمرا تمثل بقبائل قريش الاخرى واستحكم الانشقاق وهنا نهض علي(ع) لإحياء حج التمتع واحاديث النبي(ص) في امامته الدينية ، ولما قتلت قريش عثمان بايع الناس عليا(ع) على اساس حديث الغدير وانه الامام المنصوص عليه ، وحاربته قريش في الجمل وصفين فقد كان في صفين كل قبائل قريش ولم يكن مع علي(ع) الا خمسة انفار من قريش .

خامس عشر : استشهد علي(ع) بعد ان احياء الله به سنة النبي (ص) وحررها من بدع قريش المسلمة ولكن فئة من الناس بقيت مصرة على العمل بسيرة الشيخين فتركها واسس التعددية المذهبية في الاسلام .

سادس عشر : بايعت الامة سبطَ النبي(ص) ووصيه الحسن(ع) بايعوه على كتاب الله وسنة النبي(ص) التي احياها علي(ع) وبايع اهل الشام معاوية على سيرة الشيخين على ما بويع عليه سلفه عثمان ، وبادر الى الصلح لم يستجب له الحسن(ع) ، وعرض عليه ان يحكم الامة بشروط يكتبها الحسن(ع) ، ورضي معاوية ذلك وكان اهم الشروط هو ان يعمل معاوية بالكتاب والسنة ، وان يترك سب علي(ع) ولا يذكره الا بخير وان يكون الامر للحسن(ع) بعده وان لا يروع الشيعة وغيرها من الشروط .

سابع عشر : عاشت الامة عشر سنوات من الامان في ظل حياة الحسن(ع) ونهض العراقيون الذين انفتحوا على امامة علي(ع) الالهية لنشر اخبار سيرته المشرقة واحاديث النبي فيه في بلاط معاوية وعرف الناس في الشام وغيرها ان عليا (ع) كان على الحق وان معاوية كان على الباطل ، وهو الفتح الذي حققه الحسن(ع) كما حقق جده(ص) من قبل في صلح الحديبية فتحا مماثلا .

ثامن عشر : لم يكن معاوية ليؤمن بشروط الحسن(ع) ولكنه اتخذ ذلك ذريعة الى تحقيق هدف اكبر انفتح عليه فاضمر في نفسه ان يستجيب لفترة ثم يغدر وقد تعلم ذلك من ابيه ابي سفيان لما قبلت قريش بالشروط مؤقتا لتستريح من الحرب ثم نقضت شروطها بعد سنتين ، ولم يغب ذلك عن الحسن(ع) فهو ابن رسول الله(ص) مؤسس صلح الحديبية ، وهكذا نقض معاوية شروطه ودس السم للحسن(ع) وقلب ظهر المجن للعراقيين ، اعلن معاوية لعن علي(ع) والبراءة منه بصفته ملحداً في الدين ووضعت احاديث تؤكد ذلك نظير الحديث الذي يرويه البخاري الا ان ال ابي طالب ليسوا لي بأولياء ، وان بني امية والشيخين هم ائمة الهدى ووضع اعلامهم الاخبار الكاذبة في ذلك . نظير ما نسبوه الى النبي(ص) انه قال في معاوية اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به[10] ، وانه(ص) قال في يزيد : أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا , قالت أم حرام قلت : يا رسول الله أنا فيهم ؟ قال : أنت فيهم ، ثم قال النبي(ص) : أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم , فقلت : أنا فيهم يا رسول الله ؟ قال : لا .[11] وكان على رأس هذا الجيش يزيد .[12]

معالم المشروع الحسيني

في ضوء معالم الانقلاب القرشي الثالث[13] والفتنة التي عمت آثارها لتشمل المسلمين جميعا فان وضع الامة كان بحاجة الى اصلاح ، وكانت رايات الاصلاح المرتقبة ثلاثة وهي :

الراية الأولى : راية عبد الله بن الزبير وكان ابن الزبير قد برزت شخصيته في حرب الجمل حين فرضته خالته عائشة اماما يصلي بجموع البصريين حلا للخلاف بين طلحة والزبير ، وهو يرى نفسه افضل من معاوية فضلا عن ابنه يزيد ، وشعاره في الاصلاح هو احياء سيرة الشيخين التي تجاوزها الامويون ، والقاعدة الشعبية لهذا الشعار بشكل عام في مكة والمدينة والبصرة .

الراية الثانية : راية الخوارج وشعارها ايضا احياء سيرة الشيخين ويضيفون اليه البراءة من علي(ع) ، برزوا كراية في النهروان وبعد هزيمتهم تحول الناجون منهم ومن تخلف عن المعركة الى خلايا ارهاب ثم الى مجموعات ثائرة في وجه حكم معاوية في السنوات العشر الاولى من حكمه ولم تؤيدهم الامة في طريقتهم لأنها الافساد بعينه إذ كانوا يكفِّرون من لم يكن على طريقتهم ويستحلون دمه .

الراية الثالثة : راية الحسين(ع) وهو بقية اصحاب الكساء وافراد اية المباهلة اهل بيت النبي(ص) الذين شبههم بسفينة نوح وكانت له مكانة عند الجيل من عمر ثلاثين سنة فما فوق بسبب ما انتشر من أحاديث النبي(ص) فيه ايام علي والحسن(ع) ، وله قاعدة شعبية واسعة في الكوفة محصتهم التجارب والمحن ودفعوا الثمن غاليا لأجل الثبات على حب علي(ع) وموالاته وهم يعتقدون بإمامة الحسين(ع) بعد اخيه وابيه .

الكوفيون قاعدة شعبية صادقة
مع الحسين(ع)

الكوفيون هم القاعدة الشعبية المخلصة للحسين للأسباب التالية :

1ـ لقد نصروا عليا(ع) في البصرة ولولاهم لكان مسار الامور شيئا آخر ، ثم نصروا عليا(ع) في حربه ضد معاوية في معركة صفين يوم كانوا بغاة يقودهم معاوية وابلَوْا في تلك الحرب بلاءً حسنا .

2ـ ثم ابتلوا بحرب الخوارج في النهروان وهو ابتلاء عظيم لانهم ابناؤهم واخوانهم وخرج الكوفيون من الامتحان ناجحين ظافرين . ثم تعبأوا بعدها لقتال معاوية ورد غاراته التي يشنها على هذا البلد او ذاك واستشهد علي وتغيرت الظروف .

3ـ وحقق الحسن(ع) بالكوفيين كسر الطوق الاعلامي الذي فرضه معاوية على مشروع علي(ع) الاحيائي للسنة وحجز أهل الشام عنه ، ولم يكن من طريق لكسره الا بالصلح نظير طوق قريش الاعلامي الذي طوقت به النبي(ص) لم يكن له طريق الا صلح الحديبية ، وتحرك الكوفيون في سنوات الصلح ينشرون سيرة علي(ع) وأحاديث النبي(ص) فيه بين اهل الشام وعرفوا انهم كانوا مع معاوية مخطئين في حرب علي(ع) .

4ـ ثم اكتوى العراقيون بنار غدر بني امية ونقضهم للشروط وظلم ولاتهم عشر سنين بأشد ما يكون حيث هجر منهم زياد خمسون الف بعوائلهم خمس وعشرون الف من اهل البصرة وخمساً وعشرون الف من اهل الكوفة وامتلأت السجون منهم والمنافي بسبب ارتباطهم بعلي(ع) .

5ـ مضافا الى ذلك كله كان اهل العراق اهل دين كما شهد لهم علي(ع) حين قال لمعاوية في رسالته اليه : ”وما اهل الشام بأحرص على الدنيا من اهل العراق على الاخرة“ .

6ـ وكانوا اهل وفاء لعلي(ع) وأهل فقه بمشروعه وهو مشروع النبي(ص) واصحاب جرأة على السلطان وقد شهد لهم معاوية بذلك حين كان يلتقي بوجوه من رجالهم نسائهم ويحاورهم كان يقول لهم : ”هيهات يا اهل العراق لقد فقهكم علي فلن تطاقوا“ ، ”لقد لمظلكم علي الجرأة على السلطان“ ، ”والله لوفاؤكم له بعد موته اعجب من حبكم له في حياته“ .

7ـ كما شهد لهم الحسن(ع) انهم الحافظون حوزته وذماره والمانعون المعتدي عليها ، حيث قال حين فارقهم ورحل عنهم الى المدينة بعد الصلح متمثلا بهذا البيت من الشعر :

وما عن قلى فارقت دار معاشري هم المانعون حوزتي وذماري

8ـ وشهد لهم ايضا عبد الله بن الزبير وهو يبغضهم حين شكى له معاوية امر الحسن(ع) وعدم تردده عليه وزيارته الا مرة واحدة حين قدم الى المدينة سنة 44 هـ قال له : ”والله ان أهلó العراق لأبرøó بهö من أمøö الحõوار بحõوارöها“ (الحوار ولد الناقة) .

9ـ وشهد لهم الواقع التاريخي للسنوات العشر (40ـ50 هـ) سنوات الامان والاختلاط مع الشاميين سواء داخل الشام او خارجها ، ان رسالتهم في ا لحياة كانت التبشير بإمامه علي(ع) الالهية ونشر اخبار سيرته المشرقة .

10ـ وشهدت لهم الامة للسنوات الاربع بعد وفاة الحسن(ع) (50ـ53هـ) ونقض معاوية لشرطه في علي(ع) ان لا يذكره بخير انهم وقفوا بوجه الاعلام الاموي حين اعاد لعن علي(ع) يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بقيادة حِجر بن عدي واصحابه ، ودفعوا الثمن غاليا من اجل ذلك حتى امرهم الحسين(ع) بعد قتل حجر بالانسحاب من الميدان يدخرهم ليوم قادم ينهض فيه .

11ـ وشهد لهم اهل المدينة انهم كانوا على اتصال مستمر بعد ذلك مع الحسين(ع) ومراجعته حتى منعهم الوليد بن عتبة[14] من زيارته سنة 58 هـ وقال له الحسين(ع) : ”يا ظالما لنفسه عاصيا لربه علام تحول بيني وبين قوم عرفوا من حقي ما جهلته أنت وعمك“ .

الحسين(ع) المنقذ
الوحيد للامة

ليس من شك ان التغيير بقيادة الخوارج ليس له قاعدة شعبية لان الامة تراهم مفسدين وهو كذلك وقد سماهم النبي(ص) بالمارقين .

اما التغيير بقيادة ابن الزبير فهو وان كانت له قاعدة شعبية في مكة والمدينة بحدود لا بأس بها الا انه لن يجرؤ ان يتحرك مع وجود الحسين(ع) لأنه على يقين ان الحسين(ع) سوف لن يؤيده ولا شيعته ذات العمق والاصالة في الامة ، مضافا الى انه ابن ابيه الذي خرج طلبا للسلطة لا غير مع طلحة وعائشة في البصرة .

اما التغيير بقيادة الحسين(ع) فهو المتعين لان النبي(ص) اخبر امته بشهادته وهو دليل على نزاهة حركته وقيامه لله ، ولان قاعدته الشعبية اوسع وهي ممتحنة عاشت حالة تحدي واضحة ايام معاوية ولئن سكت الحسين(ع) زمن معاوية لأسباب فانه لا مبرر لسكوته بعد موته اذ لا عهد له مع يزيد ، وهكذا يتعين الحسين(ع) مصلحا للامة من فسادها وللدين من تعطيله وتحريفه ، وليس أمام الحسين(ع) الا فريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر التي اماتها بنو امية يمنحها الحياة من جديد لتتحرك الامة بها وتقتدي بالحسين(ع) في مواجهة بني امية لإزالتهم .

والحسين(ع) يدرك ان كبار الامة من الصحابة والتابعين ينظر اليه ويتطلع الى موقفه وحركته .

فما هي خطة الحسين(ع) للإصلاح وما هو منهجه ؟

وصية الحسين(ع) الى اخيه
محمد بن الحنفية

لخص الحسين(ع) منهجه الاصلاحي خطةً ومضموناً في وصيته التي كتبها لأخية محمد بن الحنفية :

  1. انيلماخرجاشراولابطراولامفسداولاظالما:فانهفيهذهالفقرةشخّصطريقةخروجهونهضتهوانهاسوفلنتكونعلىطريقةطلحةوالزبيرلأنهخروجاشروبطرمندوندواعيومسوغاتصحيحة،ولنتكونعلىطريقةمعاويةحينتمردعلىعلي(ع)لانهكانظالمالهوهوفيخروجهليسظالماليزيد ،ولنتكونعلىطريقةالخوارجلانهمكانوامفسدينفيالارض .
  2. وانماخرجتلطلبالاصلاحفيامةجدي:ليسمنشكانهناكفسادااصابالامة،وحيفاوظلمافيتوزيعالثرواتوفيالامانوفقدانالحرياتولابدمنإصلاحه . وفساداأصابالدينواعظمفسادفيهماأصابالعقيدةبالإمامةحينحرفهابنواميةمنعقيدةباهلالبيتخلفاءاللهوخلفاءرسولهيقودونالناسالىاللهالىعقيدةببنياميةخلفاءللهولرسولهوبدلواالولاءوالمحبةلعلي(ع)الذيفرضهاللهورسولهالىلعنوبراءةوعداوةمنخلالالاحاديثالكاذبةالتيوضعوها .
  3. أريدانآمربالمعروفوانهىعنالمنكر:الدينفرضالامربالمعروفوالنهيعنالمنكروجعلهافضلالجهاد،وشخصيةالحسين(ع)لاينافسهااحدفيالدينولافيالعلمولافيالقاعدةالشعبيةالتييمتلكهافيالعراقوغيره . والاعناقتشرئباليهفيالنهوضبهذهالفريضة .
  4. واسيربسيرةجديوابيعليبنابيطالب:لايشكاحدانالحسين(ع)أعلمبسيرةجدهمنكلأحد،واعترفالجميعانعليا(ع)حيننهضأحياسنةالنبي(ص)سواءفيالحجاوفيالطلاقاوفيالعدلفانعبداللهعمريشهدبانموقفعلي(ع)فياحياءحجالتمتعهوالصحيحواناباهرأىرايافيحجالتمتعوهولايوافقهعليه ،وهكذافيالصلاةفقدقال : احدالصحابةلقدصلىبناعليصلاةكدناننساها“ .

بعث الله تعالى محمدا لإحياء حنيفية ابراهيم وملته التي حرفتها قريش المشركة إذ كان إبراهيم قد بنى الكعبة مركزا للتوحيد واقترن البناء بدعوة ابراهيم واسماعيل والبشرى بمحمد واهل بيته ، ولكن قريشا بعد حادثة الفيل ايدت بدعة خزاعة حين رفعت الاصنام ودعت الى عبادتها وأضافت الى ذلك انها نصبت من نفسها امامة دينية غيرت الكثير من دين ابراهيم . واستطاع النبي ان يحرر بيت ابراهيم من الاصنام ويضع من الامامة الدينية لقريش ولأهل الكتاب ويعلن عن امامة اهل بيته من بني هاشم وانهم خلفاؤه . واعلن عن اولهم وهو علي(ع) اماما هاديا ووليا بعده يوم الغدير بعد رجوعه من حجة الوداع .

وبعد وفاة النبي(ص) انقلبت قريش المسلمة على اعقابها ونصبت من نفسها امامة دينية وخلفاء للنبي(ص) وغيرت الحج المحمدي وابتدعت بدعا اخرى عطلت فيهن كثيرا من السنن النبوية ومنعت من نشر احاديثه التي تبين فضل اهل بيته وامامتهم .

ونهض علي بعهد من رسول الله(ص) لإحياء حج التمتع الذي نهت عنه قريش ونشر الاحاديث النبوية التي منعت منها واستطاع علي(ع) في فترة نهضته من سنة 28ـ 40 ان يحيى الحج المحمدي في النصف الشرقي من البلاد المفتوحة وينشر فيها احاديث النبي(ص) في فضل اهل بيته(ع) .

ونهض الحسين(ع) بعهد معهود من النبي(ص) لإحياء امامة علي(ع) ولايته الالهية التي حولها بنو امية الى براءة منه ولعن ، واحيت بدعة قريش المسلمة واحتكرتها لنفسها .

  1. فمنقبلنيبقبولالحقفاللهاولىبالحق:وذلكلانالامربالمعروفوالنهيعنالمنكرمماحثاللهتعالىعليهووعدلمنقتلامرابالمعروفناهياعنالمنكرالجنة،وبالتاليفمنآزرالحسين(ع)فينهضتهيكونقدلبّىدعوةاللهتعالىواستحقالجنة .
  2. فمنردعليهذااصبرحتىيحكماللهبينيوبينالقومالظالمين:يشيرالحسين(ع)فيكلمتههذهانهاولايرفعشعاراقبلانيرفعسلاحا،وهذاالشعارهوانهلايبايعومنحقهانلايبايعلانالشخصالمطروحللحكمليساهلاباتفاقاهلالمناهجالمختلفة ،ويدعوالامةانتسحبثقتهامنيزيدوبنيامية ،ومنثملابدمنالاطاحةبهموتحريرالامةمنسيطرتهمثميتركالخيارللامةلتبايعمنتراهاهلاللإصلاح . وقوله (أصبر) معناهانهسوفيبقىعلىشعارهفيانكارالمنكرلايتراجععنهكماقالفيموضعاخرلولميكنليملجافيالدنيامابايعتيزيد .
  3. استهدفالحسين(ع)هدفينأساسيينمننهضته:

خلاصة اهداف الحسين(ع) ومنهجه
في التغيير

الاول : كسر الطوق الاعلامي الذي فرضه معاوية على نهضة علي الاحيائية لسنة النبي(ص) واحياء امامة علي(ع) وولايته التي اسسها الله عز وجل ورسوله(ص) فوصف عليا(ع) بانه أَلـحَد في دين الله تجب البراءة منه ومن شيعته ، وبذلك سوغ لوِلاته ان يلاحقوا شيعة علي(ع) اينما كانوا . ولا ينكسر هذا الطوق الا بنشر الاحاديث النبوية في حق علي(ع) التي تمنحه ولاية كولاية النبي(ص) وهو ولاية الله . ولا تنتشر هذه الاحاديث الا بإزالة الدولة التي تتبنى التعتيم على هذه الاحاديث والمعاقبة عليها .

الثاني : فسح المجال لمن يريد من اهل المدن ان يحيا وفق تجربة علي التي هي تجربة النبي في الحكم وتقوم على قاعدة لا اكراه في الدين والتعددية المذهبية وحرية التعبير وكفالة المواطن المتدين بالدين الابراهيمي بغض النظر عن دينه الابراهيمي مادام يؤمن بالتعايش السلمي . ولا يتأتَّ هذا الهدف إلا بزوال الدولة المركزية ورفع الضغط والارهاب عن الناس وتركهم وما يعتقدون .

2.اختار الحسين(ع) مكّة لإعلان المشروع لأنه مكة اكبر مركز لتجمع المسلمين لإيصال الدعوة اليهم (اللهم ان هذا قبر ابن بنت نبيك قد اعذر في الدعوة … .

  1. احياالحسين(ع)الامربالمعروفوالنهيعنالمنكروقدندباللهتعالىاليه:

﴿وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ آل عمران/104 .

ومن يقتل وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المكر فقد فاز بالجنة لأنها وعد الله له :

﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالإِْنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)

التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآْمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)

ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (113)﴾ التوبة/111ـ113 .

كما ان القرآن يبشر القاتلين بالعذاب الاليم في الدنيا والاخرة وبحبط عملهم في الدنيا والاخرة :

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (21)

أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالآْخِرَةِ وَما لَهُمْ مِن ناصِرِينَ (22) ﴾ آل عمران/21ـ22 .

4.جعل الحسين(ع) عنوان نهضته رفض البيعة ليزيد مهما كلفه الامر ، ليس لان يزيد لا يصلح شخصيا لمقام الحكم فقط بل لأجل ان حَصْرَ الملك في بني امية بالوصية من الاب الحاكم لأبنائه مخالف حتى لسيرة ابي بكر وعمر فلم يجعل كل واحد منهما الملك في اسرته ، وهذا الشعار العام ينسجم معه كل مسلم على اختلاف مشربه ومنهجه .

5.اعتمد الحسين(ع) اهل العراق كقاعدة شعبية لحركته بوصفهم شعبا ميَّزت المِحنُ بصدق ولائه لعلي(ع) ومشروعه الاحيائي للسنة ، وبوصفهم الذين استهدفهم معاوية لتغيير ولائهم ومحاصرتهم بشتى الوسائل لتم بما نقض معاوية كل عهوده التي أعطاهما للحسن(ع) واهل العراق ، وكانوا قد عرضوا على الحسين(ع) بعد شهادة الحسن(ع) وقتل حجر واصحابه بالقيام ضد معاوية فأوصاهم الحسين(ع)بان يكونوا احلاس بيوتهم لحين وفاة معاوية . فهم على موعد مع الحسين(ع) .

حوادث إحدى وسبعين سنة
بعد الشهادة

أصيبت الامة بالذهول لسنتين /عشرون شهرا/ . 61-63 بعد واقعة الطف وعاشت اسوأ ايامها وبدأت تغلي المشاعر في الخفاء وبخاصة حين تصلهم اخبار الواقعة وما صنعت الدولة من ذرية النبي(ص) وبناته ولم يتنفس احد بموقف معلن لا من ابن الزبير ولا من غيره ، والسجون ممتلئة بشيعة علي قبل مجيء الحسين(ع) الى العراق .

ثم تحركت الامة بدءا باهل المدينة بقيادة عبد الله بن حنظلة حين ذهب ليجدد عهده بيزيد واذا به يجده يشرب الخمر علانية وينادم القرود ، فاخذ جائزته من يزيد هو واولاده الثمانية ورجع الى المدينة وأعلن خلعه ، واستجاب له اهل المدينة ، فبعث اليهم يزيد مُسرفَ بن عقبة مع جيش اهل الشام والتقى الجيشان في 27 ذي الحجة سنة 63هـ وانكسر اهل المدينة ودخل اهل الشام الحرم النبوي بخيولهم واستباحوا المدينة ثلاثة ايام . ثم اتجهوا الى ابن الزبير في مكة وحاصروها وضربوها بالمنجنيق .

توفي يزيد في 14ربيع الاول سنة 63هـ وقام بالأمر بعده ولده معاوية ولكنه استقال من الخلاقة بعد اربعين يوما واختلف اهل الشام على رايتين الضحاك الفهري ومروان الاموي واقتتلوا على السلطة ، وكسرت السجون في البصرة والكوفة ، وبايعوا لابن الزبير واقتتل اهل خراسان واقتتل اهل اليمن ، واقتتل اهل العراق .

وكان الكوفة البلد الوحيد الذي شهد حربا اهلية بين خطين خط لشيعة اهل البيت(ع) الذين خرجوا من السجون وخط السلطة الاموية ، واستطاع سليمان بن صرد ان يقاتل بني امية في ويواصل المختار بعده ويؤسس دولة احيت تجربة علي(ع) في الحكم ولكنها حوصرت من قبل الزبيريين وقادة الكوفيين الذين كانوا في الجيش الاموي الذين قتل الحسين(ع) واسقطوها ، ثم حاصر عبد الملك دولة ابن الزبير واسقطها سنة 73هـ ، ثم انتفض على الحجاج جنده من اهل البصرة عليه سنة 76هـ بقيادة عبد الله بن الجارود واستطاع ان يقضي عليها ثم ثار عليه جنده من اهل الكوفة بقيادة مطرَّف بن المغيرة واستطاع ان يقضي عليها ثم ثار عليه عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث بن قيس سنة 81هـ وخلع عبد الملك .

واستمرت الحروب بينه وبين الحجاج سنتين حتى استطاع القضاء عليها بجيش اهل الشام سنة 83هـ ، وهكذا تضرمت الارض تحت سلطان معاوية وولده يزيد وانتقلت السلطة الى الفرع الآخر من بني امية وهو الفرع المرواني وتضرمت الارض نارا مدة عشرين سنة ، لقد استجاب الله تعالى دعاء الحسين(ع) في الامة التي خذلته فقد دعاهم في موسم الحج ولم يحيبه سوى اهل الكوفة المخلصين بقيادة سليمان بن صرد و المختار قد نفذوا خطة الحسين(ع) في قتال بني امية واقامة دولة علي في الكوفة . وانتشر في الاشهر الثلاثين من حكمها الاحاديث النبوية وسيرة علي(ع) وخطبه الى الجيل الجديد الذي حرم منها مدة اثنتي عشرة سنة .

ثم نهض زيد بن علي سنة 122 هـ على منهاج الحسين(ع) وحرك الاجواء من جديد . واستشهد2 وتحملت الكوفة بعده الكثير من العناء ، ثم قدر لحركة بني العباس ان تسقط دولة بني امية سنة 131-132هـ وانتقموا منهم شر انتقام .

نتائج نهضة الحسين(ع)
وشهادته

  1. انقذتالكوفةمنخطرتصفيةوجودالشيعةفيهاوعودتهاقلعةًلشيعةعلي(ع)وقيامهاببقيةخطةالحسين(ع)فيقتالبنياميةلتفهمالامةانطاعتهمليستمنالدينفيشيءوتجديدتجربةعلي(ع)فيالعدلوالتثقيفوالتعدديةالمذهبية.
  2. أُنقذتالاحاديثالنبويةفيفضلاهلالبيت(ع)التيكانتمعرضةلموتحملتهاحينتمزقتالدولةالامويةوانتهتسيطرتهاالفكريةفيالعراقوالحجازمدةعشرينسنةوتحركالمحدثونلإفراغمافيصدورهمالىالجيلالجديد.
  3. بتراللهتعالىيزيدوذريتهوانتقالالملكالىبنيمروان،وشفىعليبنالحسين(ع)ونشرذريةالحسين(ع)منهوبروزعليبنالحسينومحمدبنعليوجعفربنمحمد(ع)اعلاماللهدايةوظهرتحركةبنيهاشمبأجنحتهاالمختلفةتحملنظريةالحركةالسياسيةعلىنهجالحسين(ع).
  4. سقوطدولةبنياميةعلىيدالجناحالعباسيمنحركةبنيهاشموتكريستجربةعلي(ع)فيالتعدديةالمذهبيةوبروزمدرسةالامامالصادق(ع)فيالكوفةواظهارقبرعلي(ع)وزيارتهوزيارةقبرالحسين(ع)واحياءخطعليفيالفقهوالعقيدةوتكوينالعقلالفقهيالشيعيوتدوينالاصولالاربعمائةفيضوءصحيفةعليالجامعةفيالسنواتالخمسةالاولىمنالعهدالعباسيفيقبالالمدارسالفقهيةالاخرى.

 لماذا الاستمرار في إحياء الذكرى
بعد تحقق النتائج ؟

قد يقول قائل لماذا اذن استمرار احياء الذكرى الحسينية وتأجيج المشاعر ؟

الجواب هناك عدة مسوغات :

الاول : كان اصل هدف النهضة هو فضح بني امية لكي لا يتأثر المسلم ببدعهم وليعلم ان احترامهم او الترضي عليهم ليس من الدين في شيء ، وقد بقيت قطاعات من الامة على جهلها بحقيقتهم وانهم يجب البراءة منهم ومن بدعهم في الدين ، وليس من طريق لتوعيتهم الا بالاحتفاظ بظلامة الحسين غضة طرية ولا يكون ذلك الا من خلال احياء العشرة الاولى من المحرم وزيارة الاربعين وقد كرس الائمة التسعة جهدهم لربط الشيعة وجودهم مصيريا بالعزاء الحسيني . لتقام الحجة على تلك القطاعات وامتداداتهم في افق الزمن .

الثاني : ان اجواء الظلامة يهيج المشاعر ويهيئ النفس لكي تتجاوز عقدها الصعبة ، ولكي تتربى وتتهيـأ لخوض اعظم عملية تحرير في تاريخ البشر من الظلم يقودها ابن الحسين(ع) .

الثالث : شاء الله تعالى ان يجعل الحسين(ع) وارثا لجده ابراهيم في لياليه العشر وفجر عاشوراء ذي الحجة فقد برز من الحسين(ع) في هذه الليالي وفجر عاشورائها من التسليم لأمر الله والتوجه اليه بالعبادة والدعاء ما ساواها ، وهكذا جعلها مثابة للناس وموسما لغفران الذنوب والاستزادة من الحسنات .

 

السيد سامي البدري
النجف الاشرف
محرم الحرام سنة 1432هـ

 

___________________________

[1] اقدم مصدر تاريخي اورد هذه الكلمة هو ابن اعثم ت 314هـ في كتابه الفتوح وقد اضاف كلمة وسيرة الخلفاء الراشدين بعد كلمة علي ، وهي دخيلة على النص وليست من كلام الحسين(ع) لعدم امكانية الجمع بين سيرة علي وسيرة الخلفاء لتضادهما لان سيرة علي تامر بسنة النبي وسيرة الخلفاء تنهى عنها ، كما في متعة الحج انظر البخاري باب حج التمتع وغيرها ، وهو امر لا يخفى على الباحث .

[2] تاريخ الطبري .

[3] رجال الكشي ترجمة عمروبن الحمق ، طبقات ابن سعد ترجمة الامام الحسين(ع)، انساب الاشراف ترجمة معاوية ، مختصر تاريخ دمشق ترجمة الامام الحسين(ع) .

[4] دروس الشيء : انمحاؤه .

[5] كتاب سليم بن قيس .

[6] المشهور ان معاوية نقض شروطه في السنة التي اعطى عهده للحسن ولكنا في بحوثنا توصلنا الى انه نقضه بعد وفاة الحسن بعد ان دس له السم انظر التفصيل في كراس صلح الحسن قراءة جديدة وكتابنا صلح الامام الحسن قراءة جديدة .

[7] الاصلاب جمع صلب وهو الظهر المشار اليه في القرآن ﴿خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (7)﴾ الطارق/6-7 ، والشامخ العالي العزيز فالأصلاب الشامخة هم الاباء الكرام العالون ﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾ ص/75ب . .

[8] ينابيع المودة /308 الحديث رقم (881) عن علي(ع) قال : قال رسول الله(ص) : يا علي خلقني الله وخلقك من نوره ، فلما خلق آدم(ع) أودع ذلك النور في صلبه ، فلم نزل أنا وأنت شيء واحد (من صلب إلى صلب) ، ثم افترقنا في صلب عبد المطلب ، ففي النبوة والرسالة ، وفيك الوصية والإمامة .

[9] وفي رواية ومن ملحق .

[10] جامع الترمذي 5/687 ، مسند احمد 4/216 ، مسند الشاميين 1/181 ، الآحاد والمثاني 2/358 ، المعجم الاوسط للطبراني 1/380 .

[11]  صحيح البخاري المختصر 3/1069 .

[12] انظر مصادر الروايات في كتانبا الامام الحسين في مواجهة الضلال الاموي .

[13] كان الانقلاب القرشي الاول هو الانقلاب على ابي طالب بعد عبد المطلب ، والثاني هو انقلاب قريش المسلمة على علي بن ابي طالب(ع) بعد النبي(ص) ، والثالث هو انقلاب معاوية على الحسن بن علي(ع) وفي كل هذه الانقلابات ينتحل الانقلابيون الامامة الالهية لأنفسهم في قبال ابي طالب وعلي والحسن(ع) .

[14] كان أميرا على المدينة لمعاوية سنة 57-60 .

رجوع إلى قائمة المكتبة الحسينية الميسرة 

الزيارات : 361

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*

2 × one =