النهضة الحسينية في ضوء الاعلام الامامي والعباسي والاموي

الطبعة الثانية منقحة 1433هـ ـ 2011م

الطبعة الثانية منقحة 1433هـ ـ 2011م

تحميل بهيئة بي دي اف تحميل بهيئة PDF

 

تمهيد

كانت نهضة الحسين(ع) ضد بني أمية على عهد يزيد بن معاوية سنة إحدى وستين من الهجرة ، وبأمر يزيد قُتِل وحُمِل رأسُه ورؤوسُ أصحابه مع نسائه أسرى إلى الشام ، وكان للأمويين خطاب ورؤية خاصة عن الحسين(ع) ، وموقف من ذكرى مقتله تبناها إعلامهم ؛ لتبرير قتله وما صنعوه بأهل بيته من بعده .

وللعباسيين لما قامت دولتهم على أنقاض دولة بني أمية خطاب ورؤية أخرى عن الحسين(ع) وموقف من ذكرى شهادته وزيارته تبناها إعلامهم وجهاز دولتهم لتبرير موقفهم السلبي من ذرية علي(ع) وبخاصة ذرية الحسن والحسين(ع) وشيعتهم .

وفي قبال هاتين الرؤيتين هناك خطاب ورؤية أخرى وموقف آخر تبناه الائمة التسعة من ذرية الحسين(ع) في أحاديثهم وتربيتهم لشيعتهم .

وفيما يأتي بيان مختصر عن هذه الخطابات والرؤى التاريخية الثلاث :

 

رؤية الإعلام الأموي للنهضة الحسينية
و ذكرى عاشوراء

وخلاصتها :

1 . ان الحسين(ع) ثار من أجل طلب الحكم والملك ، ولم يكن من حقه ذلك لأنه خروج على الخليفة الشرعي يزيد بن معاوية وهو يستحق ما انتهت إليه حركته من الهلاك والنّكال .

روى الطبري قال لما دنا عمرو بن الحجاج (أحد قادة الجهاز الحاكم الأموي في الكوفة) من أصحاب الحسين(ع) كان يقول : يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم وجماعتكم ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الإمام ، فقال له الحسين(ع) : يا عمرو بن الحجاج أعليَّ تحرِّض الناس أنحن مرقنا من الدين وأنتم ثبتَُم عليه ؟ أما والله لتعلمن لو قد قُبِضت أرواحكم ومتم على أعمالكم أينا مرق من الدين ومن هو أولى بصلي النار .[1]

وفي كتاب الوليد بن يزيد بن عبد الملك (125-126هـ) إلى رعيته إشارة إلى ذلك ، قال : “ فتتابع خلفاء الله (يريد الخلفاء قبله) على ما أورثهم الله عليه من أمر أنبيائه ، واستخلفهم عليه منه لا يتعرض لحقِّهم أحد إلا صرعه الله ، ولا يفارق جماعتهم أحد إلا أهلكه الله ، ولا يستخف بولايتهم ويتهم قضاء الله فيهم أحد إلا أمكنهم الله منه ، وسلطهم عليه ، وجعله نكالا وموعظة لغيره . وكذلك صنع الله بمن فارق الطاعة التي أمر بلزومها ، والأخذ بها ” .[2]

وتتبنى الحركة الوهابية اليوم هذا النوع من التفسير مع تخفيف الخطاب : قال الشيخ الخضري المؤلف المصري في كتابه الدولة الأموية :

“وعلى الجملة فإن الحسين أخطأ خطأً عظيماً في خروجه هذا الذي جرَّ على الأمة وَبالَ الفُرقة والاختلاف وزعزع عماد إِلفتِها إلى يومنا هذا .  .  . غاية الأمر أن الرجل طلب أمراً لم يتهيأ له ولم يعد له عدته ، فحيل بينه وبين ما يشتهي وقُتل دونه” .[3]

وذكر أحمد العسيري وهو مؤلف حجازي نظير هذا الكلام ثم ختمه بكلام مؤلف مصري هو الدكتور أحمد شلبي[4] ولم ينسبه إليه قائلاً : “وكانت هذه فتنة أيسر ما نقول عنها أنها وسعت باب الفرقة والتهمت الآلاف والملايين من المسلمين ولا يزال بابها مفتوحاً حتى كتابة هذه السطور”  . [5]

و قال الشيخ عثمان الخميس : “ لم يكن في خروج الحسين عليه السلام مصلحة لا في دين ولا دنيا ولذلك نهاه كثير من الصحابة وحاولوا منعه وهو قد هَمّ بالرجوع لولا أولاد مسلم ، بل بهذا الخروج نال أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتلوه مظلوماً شهيدا . وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده ولكنه أمر الله تبارك وتعالى وما قدر الله كان ولو لم يشأ الناس . ولا يجوز لمن يخاف الله إذا تذكر قتل الحسين ومن معه رضي الله عنهم أن يقوم بلطم الخدود وشق الجيوب والنوح وما شابه ذلك والواجب على المسلم العاقل إذا تذكر مثل هذه المصائب أن يقول كما أمره الله تعالى : ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾” .[6]

وقد تبنت مجلة النور التي تصدر في العراق هذا التعريف الأموي للحسين(ع) ونهضته حيث جاء فيها : ”وهكذا استدرج الحسين الذي يبدو انه لم يكن محيطا بما يدار له في الخفاء“ ، ثم تواصل المجلة حديثها على لسان كاتب آخر لتدافع عن يزيد بشكل سافر فتقول : “من يقرأ تاريخ يزيد بعين الانصاف فسيجد انه رجل لا مطعن فيه لا في دينه ولا في أخلاقه ولا في رجاحة عقله ثم يذكر رواية رواها البخاري نسبها إلى النبي(ص)  بانه قال (أول جيش من أمتي يغزون مدينة القيصر مغفور له) وان البخاري روى ان انه اصبح متواترا أنه يزيد كان على رأس هذا الجيش”[7] . ثم يسترسل الكاتب بذكر روايات تصف دين يزيد وحبه للعلم وانه كان من رواة حديث النبي(ص) ؟؟؟[8] .

2 . تبنّي اعلان الفرح وإظهار السرور بذكرى عاشوراء . ووضعت أحاديث تسن الصوم والتوسعة على العيال وإظهار الزينة من الاكتحال وغيره :

قال ابن كثير في تاريخه ج8/220 : “وقد عاكس الرافضة والشيعة يوم عاشوراء النواصب من أهل الشام فكانوا يوم عاشوراء يطبخون الحبوب ويغتسلون ويتطيبون ويلبسون أفخر ثيابهم ويتخذون ذلك اليوم عيدا يصنعون فيه أنواع الأطعمة ويظهرون السرور والفرح” .

أقول : ليس من شك ان هذا الفعل كان من زمن بني أمية ولما زالت دولتهم بقيت العامة على أعرافها وثقافتها في دمشق وغيرها . ولما بنى المنصور بغداد لتكون بديلا عن عاصمة الامويين أسكن فيها من يرغب من الوجوه والجيش والناس المعروفون بولايتهم للسلطان .

وفي عهد البويهيين لما أظهروا الحزن على الحسين(ع) يوم عاشوراء تغيَّضت العامة عليهم لأنها لم تكن تقدر على منع ذلك .

قال ابن خلدون ج3 ص425 : “وفي ثامن عشر ذي الحجة من هذه السنة أُمِر الناس بإظهار الزينة والفرح لعيد الغدير من أعياد الشيعة وفى السنة بعدها أُمِر الناس في يوم عاشوراء أن يغلقوا دكاكينهم ويقعدوا عن البيع والشراء ويلبسوا المُسوح ويعلنوا بالنياحة .  .  . حزنا على الحسين ففعل الناس ذلك ولم يقدر أهل السنة على منعه لان السلطان للشيعة وأعيد ذلك سنة ثلاث وخمسين فوقعت فتنة بين أهل السنة والشيعة ونهب الاموال” .

وقد بيَّن أغلب علماء الحديث وأغلب الفقهاء من أهل السنة ان أحاديث التوسعة على العيال والاغتسال والاكتحال يوم عاشوراء موضوعة .

قال العيني في عمدة القاري ج5/347 : “اختلق أعداء أهل البيت(ع) أحاديث في استحباب التوسعة على العيال يوم عاشوراء والاغتسال والخضاب والاكتحال” .

وقال ابن الجوزي في الموضوعات ج2/112 : ”وقد تمذْهب قوم من أهل السنة فقصدوا غيظ الرافضة فوضعوا أحاديث في فضل عاشوراء ونحن براء من الفريقين“ .

وقال الشيرواني من فقهاء الشافعية (ت1118هـ) في حواشيه : “ويسن التوسعة على العيال في يوم عاشوراء ليوسع الله عليه السنة كلها كما في الحديث الحسن وقد ذكر غير واحد من رواة الحديث أنه جربه فوجده كذلك . وورد : من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه السنة كلها . وطرقه وإن كانت كلها ضعيفة لكن اكتسبت قوة بضم بعضها لبعض بل صحح بعضها ابن ناصر الدين وخطأ ابن الجوزي في جزمه بوضعه ، وأما ما شاع فيه من الصلاة والانفاق والخضاب والادهان والاكتحال وطبخ الحبوب وغير ذلك فقال الشارح : موضوع مفترى قالوا الاكتحال فيه بدعة ابتدعها قتلة الحسين رضي الله تعالى عنه” .[9]

وقال البكري الدمياطي (ت1310هـ) : “وأما أحاديث الاكتحال في عاشوراء ففي النفحات النبوية في الفضائل العاشورية ـ للشيخ العدوي ـ ما نصه : قال العلامة الاجهوري : أما حديث الكحل ، فقال الحاكم إنه منكر ، وقال ابن حجر إنه موضوع ، بل قال بعض الحنفية إن الاكتحال يوم عاشوراء ، لما صار علامة لبغض آل البيت ، وجب تركه . قال : وقال العلامة صاحب جمع التعاليق : يكره الكحل يوم عاشوراء ، لان يزيد وابن زياد اكتحلا بدم الحسين هذا اليوم ، وقيل بالإثمد ، لتقر عينهما بفعله .

قال العلامة الاجهوري : ولقد سألت بعض أئمة الحديث والفقه عن الكحل و . . . ولبس الجديد وإظهار السرور ، فقال : لم يرد فيه حديث صحيح عن النبي(ص) ، ولا عن أحد من الصحابة ، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين ، وكذا ما قيل : إنه من اكتحل يومه لم يرمد ذلك العام ، ومن اغتسل يومه لم يمرض كذلك ” .[10]

رؤية الإعلام العباسي
للنهضة الحسينية وذكرى عاشوراء

وخلاصتها :

أولا : ان الحسين(ع) ثار من أجل الحكم والملك وهو أولى به من يزيد بن معاوية وأنه قتل شهيدا مظلوما ، غير انه اشتبه في أمرين :

  1. اشتبهفيتشخيصالبلدوالعُدَّةالشعبيةالتيينطلقبهافيالثورةعلىبنيأميةباختيارهالكوفةوأهلهاوالوثوقبوعودهم.
  2. اشتبهأيضاباصطحابعيالهمعهوقدنصحهابنعباسبأنلايأخذهممعه. ويجدالباحثذلكواضحافيكتابمقتلالحسين(ع)لأبيمخنفت 158هـ. وأبومخنفممنسايربنيالعباسفيإعلامهموأهدافهم[11] .

ثانيا : شجب موقف الحزن والبكاء على الحسين(ع) وشجب زيارة الحسين يوم عاشوراء ، وقد تجلى الموقف بوضوح على عهد المتوكل العباسي حين أمر بحرث قبر الحسين(ع) وإجراء الماء عليه ومعاقبة كل زائر .

قال المسعودي : وكان آل أبي طالب قبل خلافة المنتصر (247هـ) في محنة عظيمة وخوف على دمائهم ، قد مُنعوا زيارة قبر الحسين والغري من أرض الكوفة ، وكذلك منع غيرهم من شيعتهم حضور هذه المشاهد ، وكان الأمر بذلك من المتوكِّل سنة ست وثلاثين ومائتين وفيها أمر المعروف بـ (اذيريج) بالسير إلى قبر الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما وهدمه ومحو أرضه وإزالة أثره ، وأن يعاقب من وجد به . . . ولم تزل الأُمور على ما ذكرنا إلى أن استخلف المنتصر سنة 247هجرية ، فأمن الناس ، وتقدَّم بالكفِّ عن آل أبي طالب ، وترك البحث عن أخبارهم ، وأن لا يمنع أحد زيارة الحير لقبر الحسين رضي الله تعالى عنه ، ولا قبر غيره من آل أبي طالب ، وأمر بردِّ فدك إلى ولد الحسن والحسين ، وأطلق أوقاف آل أبي طالب وترك التعرُّض لشيعتهم ودفع الأذى عنهم .[12]

رؤية الائمة التسعة من ذرية الحسين(ع)
في النهضة و موقفهم من ذكرى عاشوراء

وخلاصتها :

1 . ان الحسين(ع) وارث الأنبياء في وظيفتهم وهي الهداية ، وقد نهض لينقذ المجتمع من ضلالة بني أمية حيث حرّفوا العقيدة بأهل البيت(ع) وبخاصة في علي(ع) حين ربوا الأمة على بغضه ولعنه بدلا من حبه وتوليه مضافا إلى ذلك أحيوا بدع قريش المسلمة في الحج وغيره وفرضوها على الناس من جديد .

روى ابن قولويه بسنده عن أبي حمزة الثمالي ، قال قال الصادق(ع) : قل . . . اللهم إني أَشهَدُ أن هذا قبرُ ابنِ حبيبِك وصَفوتِك من خلقِك ، وأنه الفائزُ بكرامتِك ، أكرمتَه بكتابِك ، وخصَصْتَه وائتمَنْتَه على وحيك ، وأعطيتóه مواريثó الأنبياء ، وجعلته حجةð على خóلقöك ، فأعذóرó في الدعاء ، وبذóل مõهجتóه فيكó ، ليستنقذó عبادóك من الضøóلالة والجهالة ، والعóمى والشøóكö والارتياب ، إلى باب الهدى .

السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله ، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله ، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله ، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله ، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله ، السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله ، السلام عليك يا وارث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وصي رسول الله وولي الله ، السلام عليك يا وارث الحسن بن علي الزكي ، السلام عليك يا وارث فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين ،

السلام عليك أيها الصِّدِّيق الشهيد ، السلام عليك أيها الوصيّ ، السلام عليك أيها الوفيّ ، أشهد أنك قد أقمت الصلاة ، وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ، وعبدت الله مخلöصاð حتى أتاك اليقين ، السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته[13] .

2 . اتخاذ الايام العشرة أيام حزن ، وتعطيل العمل يوم عاشوراء ، وإظهار الجزع والبكاء على الحسين(ع) وزيارته فيه عن قرب بالذهاب إلى كربلاء أو عن بعد عندما لا يتيسر الذهاب الى قبره الشريف .

روى في البحار عن ابن قولويه قال : حدثنا أبي وجماعة ، عن مشايخي ، عن سعد ومحمد العطار والحميري جميعا عن ابن عيسى ، عن ابن بزيع ، عن أبي أيوب ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين بن علي عليه السلام ، فان إتيانه يزيد في الرزق ، ويمد في العمر ، ويدفع مدافع السوء ، وإتيانه مفروض على كل مؤمن يقر للحسين بالإمامة من الله[14] .

وفيه أيضا عن أمالي الصدوق عن ابن الوليد ، عن الصفار ، عن البرقي ، عن ابن فضال ، عن الخزاز ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : مروا شيعتنا بزيارة الحسين ابن علي عليه السلام فإن زيارته تدفع الهدم والغرق والحرق وأكل السبع ، وزيارته مفترضة على من أقر للحسين بالإمامة من الله عز وجل .[15]

وفيه ايضا عن ابن قولويه عن محمد بن جعفر ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن سنان ، عن إبراهيم بن عقبة قال : كتبت إلى العبد الصالح عليه السلام إن رأى سيدي أن يخبرني بأفضل ما جاء به في زيارة أبي عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام وهل تعدل ثواب الحج لمن فاته ؟ فكتب صلى الله عليه وآله : تعدل الحج لمن فاته الحج .[16]

وفيه ايضا عن الصدوق في اماليه عن ابن مسرور ، عن ابن عامر ، عن عمه ، عن إبراهيم بن أبي محمود قال : قال الرضا عليه السلام :

(إن المحرم شهر كان أهل الجاهلية يحرمون فيه القتال فاستحلت فيه دماؤنا ، وهتكت فيه حرمتنا ، وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا ، واضرمت النيران في مضاربنا ، وانتهب ما فيها من ثقلنا ، ولم ترع لرسول الله حرمة في أمرنا .

إن يوم الحسين أقرح جفوننا ، وأسبل دموعنا ، وأذل عزيزنا بأرض كرب وبلاء ، وأورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء ، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون فان البكاء عليه يحط الذنوب العظام) .

ثم قال عليه السلام : كان أبي إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكا وكانت الكآبة تغلب عليه حتى يمضي منه عشرة أيام ، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه ويقول : هو اليوم الذي قتل فيه الحسين صلى الله عليه[17] .

وروى الكليني بسنده عن محمد بن سنان ، عن أبان ، عن عبد الملك قال : سألت أبا عبد الله(ع) عن صوم تاسوعا وعاشورا من شهر المحرم فقال : تاسوعا يوم حوصر فيه الحسين(ع) وأصحابه رضي الله عنهم بكربلاء واجتمع عليه خيل أهل الشام وأناخوا عليه وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها واستضعفوا فيه الحسين صلوات الله عليه وأصحابه رضي الله عنهم وأيقنوا أن لا يأتي الحسين(ع) ناصر ولا يمده أهل العراق ـ بابي المستضعف الغريب ـ ثم قال : وأما يوم عاشورا فيوم أصيب فيه الحسين(ع) صريعا بين أصحابه وأصحابه صرعى حوله [عراة] أفصوم يكون في ذلك اليوم ؟ ! كلا ورب البيت الحرام ما هو يوم صوم وما هو إلا يوم حزن ومصيبة دخلت على أهل السماء وأهل الأرض وجميع المؤمنين ويوم فرح وسرور لابن مرجانة وآل زياد وأهل الشام غضب الله عليهم وعلى ذرياتهم وذلك يوم بكت عليه جميع بقاع الأرض خلا بقعة الشام ، فمن صامه أو تبرك به حشره الله مع آل زياد ممسوخ القلب مسخوط عليه ومن ادخر إلى منزله ذخيرة أعقبه الله تعالى نفاقا في قلبه إلى يوم يلقاه وانتزع البركة عنه وعن أهل بيته وولده وشاركه الشيطان في جميع ذلك[18] .

3 . ان الله تعالى قدّر نهضة الحسين(ع) وشهادته من قبل وأخبر بها كل أنبيائه بدءا من آدم وكانوا يبكونه عند الاخبار . ولا زالت الكتب المقدسة تحتفظ ببقايا نصوص تؤكد ما ذكره أهل البيت(ع) في ذلك .

الموازنة بين الرؤى الثلاث

1 . لا زالت الرؤية العباسية قائمة من خلال بقاء الكم الهائل من الروايات التي تفيض بها واشهر كتاب نهض بها ، هو كتاب مقتل الحسين(ع) لابي مخنف وقد تبنت روايته ورواية من هو على نهجه في الرواية كالمدائني وغيره من الاخباريين كل الموسوعات التي ظهرت في العهد العباسي أمثال طبقات ابن سعد وانساب الاشراف للبلاذري وتاريخ الطبري ومن أخذ عنهم أمثال ابن عساكر في تاريخ دمشق فقد أخذ عن ابن سعد وابن الاثير في تاريخه وابن خلدون في تاريخه أخذا عن الطبري .

وان ابرز سمة لهذه الرؤية أمران :

الأمر الأول : النظر الى الحسين(ع) على أنه شهيد سعيد والترحم عليه وأن قاتله يزيد وابيه معاوية ظلمة خالدين في النار يستحقون اللعنة ، وأن الحسين(ع) وقع في اشتباهات واخطاء في حركته أبرزها الوثوق بدعوة شيعته من الكوفيين ؛ واصطحابه عياله معه .

الامر الثاني : شجب البكاء والزيارة لقبر الحسين(ع) .

2 . اما الرؤية الاموية فقد انهارت بانهيار دولتهم وانقراض أدبياتهم وتراثهم الاعلامي ، نعم بقيت بقية واشعاعات محدودة منها كما ذكرنا آنفا والسمة البارزة لبقاء هذه الرؤية ثلاثة أمور :

الأمر الاول : قول القائلين : ان خروج الحسين(ع) كان افسادا وفتنة لا زالت قائمة .

الأمر الثاني : ثناؤهم على يزيد وأنه مغفور له لكونه راس الجيش الذي فتح القسطنطينية وقد رووا حديثا نسبوه الى النبي(ص)  انه أخبر بان هذا الجيش مغفور له .

الأمر الثالث : أضاف أصحاب تلك الرؤية ما تبناه العباسيون في اعلامهم من تحميل الذنب في قتل الحسين(ع) على أهل الكوفة واشتباه الحسين(ع) في الوثوق بهم واشتباهه في اصطحاب عياله معه .

3 . اما رؤية الائمة من ذرية الحسين(ع) فهي باقية كما هي بنصوصها التي ذكرنا طرفا منها آنفا ويزداد حملتها يوما بعد يوم ينتظرون التاسع من ذرية الحسين(ع) المؤيد من الله تعالى ينهض ليظهر الحق بتمامه ويقيم دولة العدل التاريخية المنشودة .

السيد سامي البدري
النجف الاشرف
محرم الحرام سنة 1432هـ

___________________________

[1]  تاريخ الطبري – الطبري – ج 4 – ص 331 .

[2]  تاريخ الطبري ج : 7 ص : 223 سنة 125

[3] ‏ الدولة الاموية الشيخ محمد الخضري /327 ، دار المعرفة بيروت 1418هجرية . والكتاب محاضرات في تاريخ الاسلام القيت على طلاب الجامعة المصرية بطلب من مجلس ادارة الجامعة المصرية ورأت إدارة الجامعة ان تجمع وتطبع .

[4] ‏ موسوعة التاريخ الاسلامي ج7/208ط7/1984/القاهرة .

[5] ‏ موجز التاريخ الاسلامي تأليف احمد محمود العسيري ، 152 ط1 ، الدمام 1417هجرية .

[6]  عثمان الخميس ، حقبة من التاريخ ص138 . اقول : قال الشوكانِي : “لا ينبغي لِمسلم أن يحط على مَن خرج مِن السلف الصالح مِن العترة وغيرهم على أئمة الجور ، فإنهم فعلوا ذلك باجتهاد منهم ، وهم أتقى لله وأطوع لسنة رسول الله مِن جماعة مِمَّن جاء بعدهم مِن أهل العلم ، ولقد أفرط بعض أهل العلم كالكرامية ومَن وافقهم في الجمود . . حتى حكموا بأن الحسين السبط رضي الله عنه وأرضاه باغٍ على الخمير السِّكِّير الهاتك لِحرم الشريعة المطهرة يزيد بن معاوية لعنهم الله ، فيا لله العجب من مقالات تقشعر منها الجلود ويتصدع من سماعها كل جلمود” (نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار) ـ ج7 ص176 .

[7]  نقل الذهبِي والعسقلانِي وغيرهما أنَّ نوفل بن أبِي الفرات قال : كنت عند عمر بن عبد العزيز ، فقال رجل : قال أمير المؤمنين يزيد ، فأمِر به فضُرِب عشرين سوطًا . انظر الذهبي : سير أعلام النبلاء ـ ج4 ص40 . وابن حجر العسقلاني : تهذيب التهذيب ـ ج6 ص 228 . والسيوطي : تاريخ الخلفاء ـ ص166 .

[8]  مجلة النور العدد 19 .

[9]  حواشي الشرواني عبد الحميد ت 118هـ – الشرواني والعبادي ج 3 ص 455 .

[10]  إعانة الطالبين – البكري الدمياطي ج 2 ص 301

[11]  انظر تفصيل اكثر في كتابنا الحسين(ع) في مواجهة الضلال الاموي ص 16 .

[12]  المسعودي ، مروج الذهب ج4 ص51 – 52

[13]  رواه ابن قولويه في كتابه كامل ‏الزيارات ص : 223 قال حدثني أبو عبد الرحمن محمد بن أحمد بن الحسين العسكري ومحمد بن الحسن جميعا عن الحسن بن علي بن مهزيار عن أبيه علي بن مهزيار عن محمد بن أبي عمير عن محمد بن مروان .

[14]  بحار الأنوار – العلامة المجلسي ج 89 ص 48 .

[15]  المصدر السابق ص 1 .

[16]  المصدر السابق ص 32 .

[17]  المصدر السابق ج 44 ص 283 .

[18]  الكليني ، الكافي – ج4 ص147 .

رجوع إلى قائمة المكتبة الحسينية الميسرة 

الزيارات : 359

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*

ten − four =