تفسير العلمانيين لظاهرة البكاء على الحسين (ع) والرد عليه

الطبعة الثانية منقحة 1433هـ ـ 2011م

الطبعة الثانية منقحة 1433هـ ـ 2011م

تحميل بهيئة بي دي اف تحميل بهيئة PDF

 

علمانيون يفسرون ظاهرة البكاء
على الحسين(ع)

ربط الباحثون العلمانيون المتأثرون بالفكر الاستشراقي بين البكاء الجماعي على الحسين(ع) في العهد الاسلامي والبكاء الجماعي على تموز واوزيريس آلهة العهود القديمة قبل الاسلام فقالوا : “ أن ظاهرة البكاء على الحسين نوع من التأثر بمخلفات وعادات الشعوب الشرقية القديمة ” .

قال الدكتور الشيبي :

“ كان البويهيون باعتناقهم التشيع الاثني عشري يحاولون أن يستقلوا عن الزيديين أولا وأن يكون لهم عصبية من العراقيين تحميهم وتثبت ملكهم … لهذا لم يكتفوا بإحياء المناسبات الشيعية وإنما زادوا ذلك مبالغة باختراع مراسيم جديدة للاحتفال بذكرى قتل الحسين …ولم يعهدها الزيديون . وبدأت في سنة 352/963 مواكب العزاء في لونه الجديد الذي وردت نظائره في التاريخ القديم وخصوصا في العراق وقد تطورت فيما بعد حتى اتخذت طابعا مسرحيا في أيام الصفويين . إن مراسيم العزاء التي ظهرت أيام البويهيين كانت لها سابقة نهض بها أبو مسلم الخراساني . ويبدو أن هذا الحزن الجماعي لم يكن تقليدا عربيا خالصا بقدر ما كان عرفا عراقيا محليا كامنا ينتظر أن تدب فيه الحياة من جديد بفعل الظروف المناسبة .

لقد كانت اقدم اشارة في التاريخ الى الحزن الجماعي المنظم[1] فيما يبدو هي تلك التي ترد في ملحمة جلجامش التي يرجع زمنها (الى نهاية العهد المسمى في تاريخ حضارة وادي الرافدين باسم جمدة نصر(في حدود 3200ق م) والى اوائل العصر الحضاري المسمى بعصر فجر السلالات (في حدود بداية الالف الثالث ق.م)[2] ، وذلك في مخاطبة جلجامش للإلهة عشتار لما عرضت عليه الزواج : (من اجل تموز حبيب صباك قد قضيت بالبكاء سنة بعد سنة) . وقد شرح الاستاذ طه باقر هذه الاشارة بقوله : (يشير هذا الى العادة القديمة الخاصة بالندب والبكاء على تموز اله الخضار والربيع حيث اعتقدوا فيه انه كان ينزل الى العالم الاسفل في كل خريف ويعود الى الحياة مع بشائر الربيع)[3] .

وقد حكى لنا الدكتور حبيب ثابت قصة الاحتفال الحزين بذكرى وفاة تموز بقوله : (اما الشعراء البابليون فقد صوروه راعياً مات في زهرة شبابه ، فنزلت عشتروت الى جهنم تلاقيه وتعيد له الحياة عابرة الابواب السبعة من مساكن الموتى . وفي اليوم الثاني من الشهر الرابع من السنة البابلية ، الذي يقابل في عرفنا اليوم اول تموز ، كانوا في بابل يغنون قصائد الشعراء المنظومة لذكرى موته ، فدعي الشهر تموز من اجل ذلك)[4] .

وقد تطورت هذه المراسيم في العراق نفسه فوجه هذا البكاء عند البابليين الى الاله مردوك في اليوم السابع من نيسان وذلك اثناء احتفالاتهم بأعياد رأس السنة التي كانت تستغرق اثني عشر يوماً تبدأ بأول نيسان . وكانت احتفالات هذا اليوم تتمثل في (دراما محزنة لموت الاله مردوك وصعوده الى السماء ، فالإله يجرح في هذا اليوم ويموت ويبحث الناس عنه في كل مكان مولولين وناحبين)[5] .

ويذكر الدكتور الامين الذي اقتبسنا منه هذا النص ان هذه الاحتفالات وصلت الى القبائل الهندية الاوروبية[6] وهي اشارة تتطلب زيادة في الايضاح .

ويبدو ان هذا التقليد انتشر الى سائر انحاء العالم القديم ولم يقتصر على موضع معين او على قبائل ، لقد دخل هذا التقليد الحياة الاسرائيلية على صورة بدعة كشفها الرب لبني اسرائيل لما اطلع حزقيال نبي الاسرائيليين اثناء السبي البابلي (ت 571 . ق م) على (مدخل باب بيت الرب الذي من جهة الشمال ، واذا نسوة جالسات يبكين على تموز)[7] .

ووصل تموز الى مصر الفرعونية واتخذ له اسم اوزيريس[8] والى اليونانية وعبر عنه بأدونيس[9] اخذاً من الفينيقيين الذين سموه (ادون او ادوناي) أي السيد[10] . وكانت النساء في لبنان (تبكي كل عام موت ادونيس ويُرخِينَ شعورَهن)[11] . (ولكي يتذكرنََ موته ، كنَّ يزرعنَ على الاحواض في السطوح بقلاً وشعيراً وتمراً ويحرقن البخور فوق المذابح ، وكانوا يدفنون في الهياكل تماثيل تشبه ادونيس وتقوم من القبر في اليوم الخامس لدفنها ويعيدون قيامها)[12] وتلك تفصيلات تذكر بالمسيح وقيامته .

وقد لاحظ آدم متز انه (سرى كثيرا مما كان يقال لإثارة العواطف في يوم جمعة الآلام عند المسيحيين الى يوم عاشوراء)[13] فذكر عن القمي نصًّا[14] حروفه /عن النبي يخاطب ام سلمة) (اذا نظرتِ الى  السماء حمراء ، كأنها دم عبيط ، ورأيتِ الشمس على الحيطان كأنها الملاحف المعصفرة ، فاعلمي ان سيد الشهداء قد قتل)[15] دون ان يورد مثيلاً له من التراث المسيحي .

ان هذا الوصف الذي يتصل بالمسيح في رأي آدم متز يعود بنفسه القهقرى الى اسطورة ادونيس التي يعتري الحزن لحلول اوانها المظاهر الطبيعية اعتراءه الناس حتى انه ليبكي الحسين يوم قتله (الوحوش في الفلوات والحيتان في البحر والطير في السماء ويبكي عليه الشمس والقمر والنجوم والسماء والارض ومؤمنو الجن والانس وجميع ملائكة السموات والارضين ورضوان ومالك وحملة العرش وتمطر السماء دما ورماداً)[16] . ومع تشريق هذا التقليد الحزين وتغريبه ، بقى في العراق عند (الحرانية الكلدانيين المعروفين بالصابئة)[17] ودخل ضمن احتفالاتها الدينية التي منها واحد يقع في النصف من تموز ويسمى عيد البوقات (معناه النساء المبكيات) . وقد شرح ابن النديم ذلك بقوله (وهو تموز ، عيد يعمل لتموز الاله ، ويبكي النساء عليه كيف قتله ربه وطحن عظامه في الرحى ، ثم ذراها في الريح)[18] .

وكان الخرمية الذين ثاروا على العباسيين في مطلع القرن الثالث الهجري احدث الطوائف الاجنبية التي وجدنا عندها آثاراً من هذا التقليد ، فلقد ذكر عنهم انه (كان لهم في الجاهلية نبي اسمه شروين ويفضلونه على الانبياء ومتى ناحوا على ميت اخذوا باسمه ندبة ونياحاً تفجعاً عليه)[19] . وذكرت مصادر اخرى ان شروين هذا كان في رأي الخرمية من اب زنجي واميرة فارسية” [20] . انتهى كلام الشيبي[21] .

وقال فاضل الربيعي في مقاله (نواح الأقنعة الفجيعة الجماعية من تموز حتى كربلاء) : “إن التقاليد البويهية ـ الإيل خانية هي التي أحيت التعزية بالحسين في شكل مجالس شعبية طوال الأيام العشرة من محرم بحيث تختم بمشهديه تصور حادثة القتل الكربلائي مع ما يرافق هذا من نواح وبكاء وضرب على الوجوه والأجساد … ستستلم هذه المسرحة للقصة بصيغتها الراهنة متضمنة الشكل القديم الإيزيروسي والتموزي … ويبدو أن الفاطميين في مصر حوالي (549 هـ) قد أحيوا أيضا وعلى نطاق واسع هذا الشكل من المناحة الجماعية مستلهمين الأصل الإيزيروسي” . [22]

وقال فراس سواح الكاتب السوري بهذا الاتجاه في كتابه (لغز عشتار) : “والذي يفصل فيه الحديث عن حركة طقوس البكاء على تموز بين الشعوب ثم انتقالها إلى المسيحيين ثم إلى الشيعة قال : وبعد المسيحية تسللت مراثي الإله الميت إلى الإسلام في طقوس عاشوراء ذكرى مقتل سيدنا الحسين بن علي . وتبدو طقوس كربلاء لناظرها اليوم مشهدا لم تغير منه ألوف السنين شيئا . وبينما يقوم المحتفلون بلطم خدودهم وشد شعورهم وضرب أنفسهم بسلاسل الحديد حزنا على الحسين الشهيد تلتقي صرخة التفجع التي يطلقونها في عنان السماء (يا فتى يا حسين) بصرخة عشتار النائحة وصرخة العذراء الثكلى” . [23]

الرد على التفسير العلماني
والاستشراقي

وتعليقنا على هذا الكلام كما يلي :

أولا : إن المهم في كل ممارسة دينية هو أن يكون لها سند تشريعي صحيح فإذا ما وجد فسوف لن يضرها وجود نظير لها في الشرائع الأخرى أو لدى الشعوب الأخرى كما لم يضر شعيرة الحج والصلاة والصيام والزكاة وجود نظائر لها في الشرائع الأخرى .

وقد ذكرنا آنفا الروايات التي تدل على شرعية العزاء الحسيني .

ثانيا : إن القرآن الكريم قد بين حقيقة مهمة في الشرائع الإلهية وهي أن أصولها وأحكامها العامة واحدة فضلا عن وحدة المعتقد كما في قوله تعالى :

﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ الشورى/13 .

ومن هنا نجد التشابه قائما بين القرآن والتوراة في الأحكام العامة فضلا عن أحكام تفصيلية من قبيل (السن بالسن والعين بالعين) ونجد الحكم نفسه في شريعة حمورابي و هي بقية شريعة إبراهيم كما ذهبنا اليه في بحوثنا عن التاريخ القديم ، وفي ضوء ذلك فإن المناحات الجماعية المشار إليها وبطلها المركزي/وهو شخصية واحدة وإن تعددت أسماؤه/من المحتمل جدا أنها شرعت دينيا لأمة قتل فيها ظلما إنسان مقدس شبيه بالحسين(ع) أريد لظلامته ان تبقى حية مؤثرة لمدة طويلة لتؤدي دورها في التوعية و التربية ، ثم غيَّرها كثرة التحريف والبدع التي أضيفت إليها .

ولا يبعد أنها كانت في إحدى الأمم قبل عهد ابراهيم عليه السلام بل قبل نوح ومن المحتمل أن يكون هذا الشخص هو هابيل الذي قتله أخوه ظلما وعدوانا كما ذكر القرآن ذلك. وليس من شك أن النبوات الأولى كان مقرها العراق وبخاصة القسم الجنوبي منه . هذا ومن الجدير بالذكر أن الآثار المصرية قد احتفظت بصورة أوضح لهذه الشخصية مما قدمته الآثار البابلية .

وفيما يلي خلاصة ما جاء في موسوعة الآثار المصرية تحت لفظة أوزريس :

“قالوا هو اشهر معبودات المصريين القدماء ولم يقدسه المصريون فحسب بل غزا افئدة الكثيرين من شعوب حوض البحر المتوسط وخاصة في بلاد الاغريق والرومان وهما في اوج حضارتهما . كان لقبه (عظيم اقليمه) . مثل الراعي الحكيم الذي ما كاد يجلس على العرش حتى حرر الناس من حياة الهمجية وعلمهم الزراعة وشرع لهم القوانين وحثهم على التقوى واحترام الالهة ، ومن ثم جاس ارجاء البلاد لينشر الحضارة بين الناس اجمعين . وتستمر القصة الدينية فتقول : (كان نجاح اوزيريس دافعا لأخيه (ست) على ان يدبر له مؤامرة لاغتياله . لقد اخذت عقيدة (اوزيريس) تتملك افئدة المصريين منذ اواخر الاسرة الخامسة من الدولة القديمة ، فاعتنقوها بعد ان ذاقوا الامرين من قسوة سلطان فراعنتهم الذين حبسوا خيرات الدنيا الفانية ونعيمها على انفسهم ولم يسمحوا الا بقدر منها منحوه لأصحاب الحظوة لديهم . ولكن قبل ان تنتهي ايام الدولة القديمة اصبح كل مصري يمنى نفسه بنعيم الخلد في دولة اوزيريس رب الموتى ، بل اعتقد مصريو الدولة الوسطى ان الموت سيحول كلا منهم الى (اوزيريس) ففي رحابه يتمتع الجميع بنعيم الحياة لا فرق بين غني وفقير او بين شخص ينتمي الى الاسرة الحاكمة وآخر من عامة الشعب ” .

ثالثا : وفضلا عن ذلك أيضا يمكننا القول : إن الأصل في تلك المناحات التاريخية هو البكاء على الحسين(ع) ثم غيَّرت هويتها بفعل الإضافات فيما بعد وذلك لما ورد من نصوص تشير إلى أن الأنبياء قد أخبروا أممهم بقتل الحسين(ع) وأنهم بكوه نظير ما ورد من نصوص في التراث الإسلامي الشيعي والسني على السواء تؤكد على أن النبي الخاتم(ص) قد أخبر أمته بقتل الحسين(ع) حين ولد وحين كان صبيا يحبو أمامه مرارا كما بكاه مرارا أيضا ، ويؤكد ذلك كله أيضا وجود نصوص كثيرة في العهد القديم تتحدث عن قتل الحسين(ع) وتتفجع له .

اخبار النبي(ص) بقتل الحسين(ع)

وفيما يلي جملة من الأخبار والنصوص الواردة عن النبي(ص) في ذلك .

روى الشيعة والسنة على السواء أحاديث النبي(ص) بقتل الحسين(ع)، ونحن نوردها فيما يلي من كتب السنة إلا فيما فيه تفصيل فقد رويناه من طريق نصر بن مزاحم وهو شيعي زيدي :

 1. رواية الإمام علي(ع) :

روى أحمد بن حنبل قال : حدثنا محمد بن عبيد ، ثنا شراحيل بن مدرك ، عن عبدالله بن نجيي ، عن أبيه أنه سار مع علي ـ وكان صاحب مطهرته ـ فلما جاؤوا نينوى وهو منطلق إلى صفين فنادى علي :

صبرا أبا عبدالله ، صبرا أبا عبدالله ، بشط الفرات قلت : وماذا تريد ؟ قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وعيناه تفيضان فقلت : ما أبكاك يا رسول الله ؟ قال : بلى ، قام من عندي جبريل قبل ، فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات ، قال فقال : هل لك أن أشمك من تربته ؟ قال : فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا .[24] .

قال ابن كثير وروى محمد بن سعد : عن علي بن محمد ، عن يحيى بن زكريا ، عن رجل عن عامر الشعبي ، عن علي(ع) مثله[25].

روى نصر بن مزاحم عن سعيد بن حكيم العبسي عن الحسن بن كثير عن أبيه : أن عليا أتى كربلاء فوقف بها ، فقيل يا أمير المؤمنين ، هذه كربلاء قال :

“ذات كرب وبلاء” .

ثم أومأ بيده إلى مكان فقال :

“هاهنا موضع رحالهم ، ومناخ ركابهم وأومأ بيده إلى موضع آخر فقال : هاهنا مهراق دمائهم”  . [26]

وروى الطبراني في المعجم الكبير 3/110 قال حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا عبد الله بن الحكم بن أبي زياد وأحمد بن يحيى الصوفي قالا ثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن هاني بن هاني عن علي رضي الله تعالى عنه قال : “ليقتلن الحسين قتلا وإني لأعرف التربة التي يقتل فيها قريبا من النهرين”

وروى أيضا 3/111 قال حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا أبو الأعمش عن سلام أبي شرحبيل عن هرثمة قال كنت مع علي رضي الله تعالى عنه بنهر كربلاء فمر بشجرة تحتها بعر غزلان فأخذ منه قبضة فشمها ثم قال : “يحشر من هذا الظهر سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب” .

أقول : قوله (سبعون ألفا) تحريف والصحيح هو سبعون وهم أنصار الحسين(ع) الذين قتلوا معه .

روى محمد بن سعد وغيره من غير وجه عن علي بن أبي طالب أنه مر بكربلاء عند أشجار الحنظل وهو ذاهب إلى صفين ، فسأل عن اسمها فقيل كربلاء فقال :

“كرب وبلاء” .

فنزل وصلى عند شجرة هناك ثم قال : “يقتل ههنا شهداء هم خير الشهداء … ، يدخلون الجنة بغير حساب”

ـ وأشار إلى مكان هناك ـ فعلøóموه بشيء فقتل فيه الحسين .

وقد روى نصر بن مزاحم رواية هرثمة بتفصيل أكثر قال : حدثني مصعب بن سلام ، قال أبو حيان التميمي ، عن أبي عبيدة ، عن هرثمة بن سليم قال : غزونا مع علي بن أبي طالب غزوة صفين ، فلما نزلنا بكربلاء صلى بنا صلاة ، فلما سلم رفع إليه من تربتها فشمها ثم قال : “واها لك أيتها التربة ، ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب” .

فلما رجع هرثمة من غزوته إلى امرأته وهى جرداء بنت سمير ، وكانت شيعة لعلي فقال لها زوجها هرثمة : ألا أعجبك من صديقك أبي الحسن ؟ لما نزلنا كربلاء رفع إليه من تربتها فشمها وقال : واها لك يا تربة ، ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب وما علمه بالغيب ؟ فقالت : دعنا منك أيها الرجل ، فإن أمير المؤمنين لم يقل إلا حقا .

فلما بعث عبيد الله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين بن على وأصحابه ، قال : كنت فيهم في الخيل التي بعثت إليهم ، فلما انتهيت إلى القوم وحسين وأصحابه عرفت المنزل الذي نزل بنا علي فيه والبقعة التي رفع إليه من ترابها ، والقول الذي قاله ، فكرهت مسيري ، فأقبلت على فرسي حتى وقفت على الحسين ، فسلمت عليه ، وحدثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل ، فقال الحسين : معنا أنت أو علينا ؟ فقلت : يا ابن رسول الله . لا معك ولا عليك . تركت أهلي وولدي أخاف عليهم من ابن زياد . فقال الحسين : فول هربا حتى لا ترى لنا مقتلا ، فو الذي نفس محمد بيده لا يرى مقتلنا اليوم رجل ولا يغيثنا إلا أدخله الله النار . قال : فأقبلت في الأرض هاربا حتى خفي عليَّ مقتله[27] .

وروى الطبراني قال حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا محمد بن يحيى بن أبي سمينة ثنا يحيى بن حماد ثنا أبو عوانة

عن عطاء بن السائب عن ميمون بن مهران عن شيبان بن مخرم

وكان عثمانيا (وفي رواية ابن عساكر : وكان عثمانيا يبغض عليا(ع)) قال : إني لمع علي رضي الله تعالى عنه إذ أتى كربلاء فقال :

”يقتل في هذا الموضع شهداء ليس مثلهم شهداء إلا شهداء بدر“ .

فقلت بعض كذباته ، وثم رجل حمار ميت فقلت لغلامي خذ رجل هذا الحمار فأوتدها في مقعده وغيبها ، فضرب الدهر ضربة فلما قتل الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما انطلقت ومعي أصحاب لي فإذا جثة الحسين بن علي رضي الله تعالى عنه على رجل ذاك الحمار وإذا أصحابه ربضة حوله[28] .

أقول : مراده برجل الحمار عظم الساق ، ويظهر من الرواية أن شيبان بن مخرم بقي على عثمانيته ثم التحق بالجيش الذي سيره ابن زياد لقتل الحسين(ع) ولم ينتفع بما يحمله من رواية علي(ع) عن النبي(ص) التي شهد صدقها وتحققها كما لم ينتفع هرثمة بن سليم الآنف الذكر حيث سمع من علي(ع) الرواية نفسها وشهد صدقها وتحققها وجاء الى الحسين(ع) وحدثه بها ونصحه بأن لا يشهد القتال إذا لم يكن ناصرا له ولا معينا لعدوه وعمل هرثمة بهذه النصيحة حيث فر ولم يشهد القتال . أما كون جثة الحسين(ع) وأصحابه على رجل ذلك الحمار فلا يبعد أن تكون من مبالغات شيبان أو الراوي عنه وهو ميمون بن مهران وكان يبغض عليا(ع) ويحمل عليه .

2. رواية أنس بن مالك :

روى الطبراني 3/106 حدثنا بشر بن موسى ثنا عبد الصمد بن حسان المروذي وحدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ومحمد بن محمد التمار البصري وعبدان بن أحمد قالوا ثنا شيبان بن فروخ قالا ثنا عمارة بن زاذان الصيدلاني قالا ثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك قال استأذن ملك القطر ربه عز وجل أن يزور النبي صلى الله عليه وسلم فأذن له فجاءه وهو في بيت أم سلمة فقال يا أم سلمة احفظي علينا الباب لا يدخل علينا أحد فبينما هم على الباب إذ جاء الحسين ففتح الباب فجعل يتقفز على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم يلتثمه ويقبله .

فقال له الملك : تحبه يا محمد ؟

قال : نعم .

قال : أما إن أمتك ستقتله وإن شئت أن أريك من تربة المكان الذي يقتل فيها .

قال فقبض قبضة من المكان الذي يقتل فيه فأتاه بسهلة حمراء فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها .

قال : ثابت كنا نقول إنها كربلاء[29] .

3 . رواية عائشة :

وروى الطبراني أيضا 3/107 قال حدثنا أحمد بن رشدين المصري ثنا عمرو بن خالد الحراني حدثنا بن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت دخل الحسين بن علي رضي الله تعالى عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوحى إليه فنزا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منكب ولعب على ظهره فقال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أتحبه يا محمد ؟ قال : يا جبريل وما لي لا أحب ابني ؛ قال : فإن أمتك ستقتله من بعدك ؛ فمد جبريل عليه السلام يده فأتاه بتربة بيضاء فقال في هذه الأرض يقتل ابنك هذا يا محمد واسمها الطف فلما ذهب جبريل عليه السلام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والتربة في يده يبكي فقال : يا عائشة إن جبريل عليه السلام أخبرني أن الحسين ابني مقتول في أرض الطف وإن أمتي ستفتتن بعدي .

ثم خرج إلى أصحابه فيهم علي وأبو بكر وعمر وحذيفة وعمار وأبو ذر رضي الله تعالى عنهم وهو يبكي فقالوا ما يبكيك يا رسول الله فقال أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه .

4 . رواية أم سلمة :

المنتخب من مسند عبد بن حميد/442 عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه قال : قالت : أم سلمة كان النبي صلى الله عليه وسلم نائما في بيتي فجاء حسين يدرج ؛ قالت : فقعدت على الباب فأمسكته مخافة أن يدخل فيوقظه قالت ثم غفلت في شيء فدب فدخل فقعد على بطنه قالت فسمعت نحيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت فقلت يا رسول الله والله ما علمت به ، فقال :

إنما جاءني جبريل عليه السلام وهو على بطني قاعد فقال لي : أتحبه ؟

فقلت : نعم .

قال : إن أمتك ستقتله ، ألا أريك التربة التي يقتل بها !

قال فقلت : بلى .

قال فضرب بجناحه فأتاني بهذه التربة .

قالت: فإذا في يده تربة حمراء وهو يبكي ويقول يا ليت شعري من يقتلك بعدي .

فضائل الصحابة 2/782 حدثنا إبراهيم بن عبد الله نا حجاج نا حماد عن أبان عن شهر بن حوشب عن أم سلمة ، قالت : كان جبريل عليه السلام عند النبي صلى الله عليه وسلم والحسين معي فبكى فتركته فدنا من النبي صلى الله عليه وسلم .

فقال جبريل : أتحبه يا محمد ؟

فقال : نعم .

فقال : أن أمتك ستقتله وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها فأراه إياه فإذا الأرض يقال لها كربلاء .

المستدرك 4/440 أخبرناه أبو الحسين علي بن عبد الرحمن الشيباني بالكوفة ثنا أحمد بن حازم الغفاري ثنا خالد بن مخلد القطواني قال حدثني موسى بن يعقوب الزمعي أخبرني هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص عن عبد الله بن وهب بن زمعة قال أخبرتني أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطجع ذات ليلة للنوم فاستيقظ وهو حائر ثم اضطجع فرقد ثم استيقظ وهو حائر دون ما رأيت به المرة الأولى ثم اضطجع فاستيقظ وفي يده تربة حمراء يقبلها فقلت ما هذه التربة يا رسول الله ؟

قال : أخبرني جبريل عليه السلام أن هذا يقتل بأرض العراق للحسين ، فقلت لجبريل أرني تربة الأرض التي يقتل بها فهذه تربتها .

هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه[30] .

 

5 . رواية أنس بن الحارث :

روى ابن كثير قال أبو القاسم البغوي : حدثنا محمد بن هارون ، أبوبكر ، ثنا إبراهيم بن محمد الرقي وعلي بن الحسن الرازي قالا : ثنا سعيد بن عبدالملك أبو واقد الحراني ، ثنا عطاء بن مسلم ، ثنا أشعث بن سحيم ، عن أبيه قال : سمعت أنس بن الحارث يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

“إن ابني ـ يعني الحسين ـ يقتل بأرض يقال لها كربلاء ، فمن شهد منكم ذلك فلينصره” .

قال : فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقتل مع الحسين ، قال : ولا أعلم رواه غيره[31] .

السيد سامي البدري
النجف الاشرف
محرم الحرام سنة 1432هـ

____________________________

[1]  فيما يتصل بالنوح الجماعي المنظم على تموز وانتقاله الى اقطار العالم القديم الاخرى وكذا بكاء مردوخ ومراسيمه والمواكب السنوية التي كانت ترافقه يحيل الشيبي الى الاستاذ طه باقر في كتابه(مقدمة تاريخ الحضارات القديمة) ، ط2 ، بغداد 1375/195 ، 1/228 ، 252-3 ، 262 .

[2]  ملحمة جلجامش ترجمة الاستاذ طه باقر ، ط4/110 .

[3] هامش ايضا ص110 الهامش ./107 .

[4]  عشتروت وادونيس ، ملحمة شعرية للدكتور حبيب ثابت ، دار مجلة الاديب ، بيروت 1948 مقدمة الشاعر ، ص 20 .

[5]  اكيتو او اعياد رأس السنة البابلية ، بحث للدكتور محمود الامين ، مجلة كلية الآداب ، الجزء الخامس لسنة 1962 ، ص148 .

[6]  ايضا ص 132-133 .

[7]  الكتاب المقدس ، العهد القديم ، سفر حزقيال ، الاصحاح 8 الآية 14 .

[8]  عشتروت وادونيس ص20 .

[9]  ‏ايضا ص 20 ، 21 وانظر ايضا الادب اليوناني القديم للدكتور عبد الواحد وافي ، دار المعارف بمصر ص 135-141 وكذلك اساطير الحب والجمال عند الاغريق للأستاذ دريني خشبة ، مطبعة الرسالة في مصر ، ص 66-57 .

[10]  ايضا ص 20-21 .

[11]  ايضاً ص 20-21 .

[12]  ايضا ص 20-21 .

[13]  الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري1/82 .

[14]  الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري 1/82 .

[15]  انظر علل الشرائع لابن بابوية القمي ، ايران 1377 . 1/218 .

[16]  علل الشرائع للقمي 1/218 .

[17]  الفهرست لابن النديم ، مصر 1348 ، ص242-456 .

[18]  ايضا ص 449 . ومما يذكر ان السنة عند الصابئة تبدأ في اول نيسان . كما عند سكان العراق القدماء . (انظر ص 447) .

[19]  التبصير في الدين الاسفرايني ، مصر 1940 ، ص 80 .

[20]  الفرق بين الفرق للبغدادي ، القاهرة 1940 ، ص 52 .

[21]  الصلة بين التشيع والتصوف ج1.

[22]  الناقد العدد 69/5-14 .

[23]  فراس سواح ، لغز عشتار/309 .

[24]  مسند أحمد 1/85 ، الآحاد والمثاني 1/308 .

[25]  البداية والنهاية مجلد:8/217 .

[26]  وقعة صفين/142 .

[27]  وقعة صفين/140 .

[28]  المعجم الكبير للطبراني 3/111 .

[29]  رواه أحمد في مسنده 3/242 ، 3/265 ، و ابن حبان في صحيحه 15/142 ، و أبو يعلى في مسنده 6/129كلهم عن عمارة بن زاذان الصيدلاني عن ثابت البناني عن أنس بن مالك .

[30]  ورواه الطبراني في المعجم الكبير 3/109 وفي 23/308 وفي 23/308 عن عبد الله بن وهب زمعة وكذلك رواه صاحب الآحاد والمثاني في 1/310 كلهم عن أم سلمة وكذلك رواها عن أم سلمة صالح بن أربد والمطلب بن عبد الله بن حنطب وشقيق بن سلمة وعبد الله بن سعيد بن هند وشهر بن حوشب .

[31]  البداية والنهاية مجلد:8/217 .

رجوع إلى قائمة المكتبة الحسينية الميسرة 

الزيارات : 744

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*

2 − 1 =