قصي بن كلاب

كانت قريش قبل قصي جماعات متفرقة في قومهم من بني كنانة ، وكانت ولاية البيت إلى قبيلة خزاعة يتوارثونه كابراً عن كابر حتى كان آخرهم حُلَيْل الخزاعي ، وتزوج قصي ابنته حُبَّى . أنجبت له ولده ، ولما انتشر ولد قصي وكثر ماله وعظم شرفه ومات حليل رأى قصي أنّه أولى بالكعبة من خزاعة وبني بكر ، فكلّم رجالاً من قريش وبني كنانة ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبني بكر من مكة فأجابوه . ويقال أن حليلاً أوصى بولاية البيت إلى قصي فأبت خزاعة أن تمضي ذلك لقصي ، فعند ذلك هاجت الحرب بينه وبين خزاعة (1) .

قال اليعقوبي : ولم يكن بمكة بيت في الحرم ، إنّما كانوا يكونون بها نهاراً فإذا أمسوا خرجوا ، فلما جمع قصي قريشاً ، وكان أدهى من رُئِي من العرب ، انزل قريشاً الحرم ، وجمعهم ليلاً ، وأصبح بهم حول الكعبة ، فمشت إليه أشراف بني كنانة ، وقالوا : إنّ هذا عظيم عند العرب ، ولو تركناك ما تركتك العرب . فقال : والله لا أخرج منه ، فثبت (2) . وحضر الحج ، فقال لقريش : قد حضر الحج ، وقد سمعت العرب ما صنعتم ، وهم لكم معظِّمون ، ولا أعلم مكرُمة عند الرب أعظم من الطعام ، فليخرج كل إنسان منكم من ماله خرجاً (3) ! ففعلوا ، فجمع من ذلك شيئاً كثيراً ، فلمّا جاء أوائل الحج نحر على كل طريق من طرق مكة جزورا (4) ، ونحر بمكة ، وجعل حظيرة فجعل فيها الطعام من الخبز واللحم ، وسقى الماء واللبن ، وغدا على البيت فجعل له مفتاحاً وحجبة ، وحال بين خزاعة وبينه ، فثبت البيت في يد قصي ، ثم بنى داره بمكة ، وهي أول دار بنيت بمكة ، وهي دار النَّدوة .

وكانت قريش في حياة قصي ، وبعد وفاته ، يرون أمره كالدين المتَّبَع (5) .

قال ابن عباس : وفي داره (دار الندوة) التي جعل بابها إلى البيت ، كان يكون أمر قريش كله وما أرادوا من نكاح أو حرب أو مشورة فيما ينوبهم حتى إن كانت الجارية تبلغ أن تَدَّرِعَ فما يشق درعها (6) إلا فيها ثم ينطلق بها إلى أهلها ، ولا يعقدون لواء حرب لهم ولا من قوم غيرهم إلا في دار الندوة يعقده لهم قصي ، ولا يُعْذَر (7) لهم غلام إلاّ في دار الندوة ، ولا تخرج عِير (8) من قريش فيرحلون إلاّ منها ، ولا يقدمون إلاّ نزلوا فيها تشريفاً له وتيمناً برأيه ومعرفة بفضله ، ويتبعون أمره كالدين المتبع لا يعمل بغيره في حياته وبعد موته ، وكانت إليه الحجابة (9) والسقاية والرفادة واللواء والندوة وحكم مكة كله . وأدخل قصي بطون قريش كلها الأبطح فسموا قريش البطاح .

وأقام بنو مَعيص بن عامر بن لؤي وبنو تيم الأدرم بن غالب بن فهر وبنو محارب بن فهر وبنو الحارث بن فهر بظهر مكة (فهؤلاء الظواهر) لأنهم لم يهبطوا مع قصي إلى الأبطح إلا أن رهط أبي عبيدة بن الجراح وهم من بني الحارث بن فهر نزلوا الأبطح (10) فهم مع المطيبين أهل البطاح ، فدعي قصي مجمِّعاً بجمعه قريشاً وبقصي سميت قريش قريشاً وكان يقال لهم قبل ذلك : بنو النضر (11) .

وولد قصي (12) : عبد مَناف وعبد الدار (13) وعبد العُزّى (14) وعبداً (15) .

______________________

(1) السيرة النبوية لابن هشام ج1 ص117ـ118 .

(2) أي أقام .

(3) الخرج : هو ما يخرج من المال بقدر معلوم في السنة .

(4) الجزور : الناقة .

(5) تاريخ اليعقوبي ج1 ص239 ، أنساب الاشراف ج1 ص52 .

(6) درع : الجارية قميصها المناسب لها .

(7) أعذرت الغلام : أي ختنته .

(8) العير : القافلة .

(9) الحجابة : سدانة الكعبة وحمايتها ومن بيده مفاتيحها .

(10) أي الارض المنبسطة التى يسيل فيها الماء.

(11) الطبقات الكبرى ج1 ص71 .

(12) قال الطبري : وكان قصي يقول : فيما زعموا ولد لي أربعة ، فسميت اثنين بصنمي وواحداً بداري وواحداً بنفسي . وهم عبد مناف وعبد العزى وعبد الدار وعبد قصي تاريخ الطبرى ج1 ص505 . وفي أنساب الاشراف ج1 ص52 انّ عبد مناف كان اسمه المغيرة وجعلته امه خادماً لمناف وهو أعظم أصنامهم عندهم .

أقول : والرواية غير صحيحة لانّ قصي كان موحداً وكذلك كل آباء النبي (صلى الله عليه وآله) ، والذي يخطر في الذهن انّ العزى ومناف تارة تستعملان كاسمي علم لصنمين وحينئذ يكون الخضوع أو المملوكية الذي هو معنى العبودية المشار اليه في اسم (عبد مناف)(وعبد العزى) مرتبطاً بهما ولهما ، واخرى يستعمل كل واحد منهما بما هو صفة إذ مَناف معناه مُنيف اي شريف ، وعزى معناه عزة ومِنعة وحينئذ يكون الخضوع لهاتين الصفتين فقولهم عبد مناف يريدون عبد شرف أي اسير الشرف اي الشرف لا يفارقه ، وقولهم عبد العزى أي عبد العزة أي أسير العز والمِنعة أي العز والمنعة لا تفارقانه وفي ضوء ذلك يدرس اي المعنيين انسب بارادة المسمِّي فإذا عرف عنه عبادة الصنم المسمى بـ (مناف) و (العزى) . فتحمل التسمية عليهما والا فتحمل على المعنى الآخر وهكذا يكون (عبد قصي) معناه أسير العلو والرفعة أي رجل رفيع . امّا عبد الدار فهو عبد الكعبة أي خادمها .

(13) من ذريته : طلحة وولده الأربعة وعثمان وأبو سعد بنو أبي طلحة سبعة قتلهم علي  عليه السلام يوم أُحد وكانوا يحملون اللواء . ومنهم أيضاً مصعب بن عمير ، انظر تعدادهم عند ابن الكلبي جمهرة النسب ص63 .

(14) من ذريته : خديجة بنت خويلد زوج النبي (صلى الله عليه وآله) والزبير بن العوام ، جمهرة النسب ابن الكلبي ص68 .

(15) من ذريته : طليب بن عمير ممن شهد بدراً مع النبي (صلى الله عليه وآله) وامه عمة النبي (صلى الله عليه وآله) اروى بنت عبد المطلب . جمهرة النسب لابن الكلبي ص67 .